قالوا علي تركها
رأيتني حين لم يرني أحد.
ساد صمت مريح. حرك الهواء أوراق الأشجار.
حسنا يا سيدتي أنا موافق. لكن كم سيكون الأجر قالت مارغريتا بجدية وكأننا نوقع صفقة في وول ستريت
راتبك سيكون خمسة عشر ألف بيزو شهريا مع مزايا وتأمين وطعام.
كدت أسقط عن الكرسي. شعرت بدوار
خمسة خمسة عشر ألفا شهريا مقابل المشي وتذكيرك بالدواء
ضحكت وهي ترى وجهي
هذا قليل مقارنة بما ستديره مستقبلا. لكن في الوقت الحالي استحقه. اتفقنا
اتفقنا تماما! حتى أرقص إن أردت!
في التاسعة صباحا بدأت التدريب. أخذتني إلى مكتبها المنزلي. غرفة تشبه رائحة الخشب القديم والكتب. شهادات على الجدران جوائز كريستالية صور مع رؤساء. مكتب ضخم بمقابض ذهبية. خلفه لوحة بيضاء كبيرة فارغة.
همست
هل تريدين أن أساعد في ملئها
نعم. خذ القلم. اكتب أول بند لليوم.
ارتجفت يدي
ماذا أكتب
اكتب تم توظيف رامون. مساعد شخصي. سائق العربة السابق.
كتبت بخطي المعوج. حين انتهيت انفجرت مارغريتا ضاحكة بصوت عال حتى إن خادمة مرت في الممر أطلت خائفة.
أنت فتى طيب يا رامون. لهذا وظفتك.
وعند الغداء كانت قد عرفتني على نصف البيت باعتباري شخصها الموثوق. كانت ردود الفعل متفاوتة. الطباخات ابتسمن بخجل لأنهن رأين في واحدا منهن. أما أهل القمة رئيس الخدم والممرضات وخاصة ليديا فقد نظروا إلي كأنني فيروس. سمعت همسا في المطبخ حين مررت لآخذ كوب ماء
أرأيت لعبة السيدة الجديدة قال صوت.
أولاد الشارع أذكياء. يتسللون كالتراب حتى يستولوا على كل شيء.
أعطيه أسبوعا قال آخر.
ما إن يسرق أول ملعقة فضة حتى تطرده ليديا ركلا.
سمعت كل شيء. قبضت يدي. آلمني ذلك أن يظنوا أنني لص لأنني فقير. لكنني تذكرت وجه أمي حين أخبرها بالراتب. تذكرت تسربات سقف بيتنا. وتذكرت كيف دافعت عني مارغريتا. استقمت أخذت الماء وخرجت برأسي مرفوعا.
ذلك المساء خصصت لي مارغريتا غرفة صغيرة في منطقة الخدمة لأغير ملابسي وأرتاح إن تأخر الوقت. كانت غرفة بسيطة لكن فيها سرير نظيف وحمام بماء ساخن. بالنسبة لي كانت جناحا رئاسيا.
عندما عدت إلى بيتي تلك الليلة بدا حيي أكثر ضجيجا وظلمة من أي وقت. دخلت راكضا. كانت أمي جالسة على الطاولة المسبحة في يدها تنتظرني كأني عدت من حرب. كان إخوتي الصغار يلعبون على الأرض.
لقد عاد! صرخ أخي الصغير.
رامون! قفزت أمي واقفة.
أين كنت ظننت أنهم خطفوك أو ضعت! كنت سأتصل بالقس!
وضعت حقيبتي وابتسمت من الأذن إلى الأذن
قلت لك إن السيدة أعطتني عملا يا أمي.
أي عمل قالت وهي تفحصني بقلق.
تنظيف حمامات حمل أكياس
لا يا أمي. أنا
مساعد ماذا نظرت باستغراب.
هل يعني كلبا مرافقا
مساعد شخصي قلت بفخر.
واجلسي لأنك ستندهشين.
جلست تشد وشاحها
كم
خمسة عشر ألف بيزو في الشهر.
ساد صمت تام. سمع تقطير صنبور المطبخ. اتسعت عينا أمي حتى ظننت أنهما ستخرجان
خمسة عشر ألفا همست.
رامون هل أنت متأكد أنها ليست تجارة مخدرات
لا يا أمي. إنها سيدة أعمال. كل شيء قانوني.
سكتت أمي طويلا ثم ارتسمت على وجهها المتعب ابتسامة بطيئة. قامت وعانقتني بقوة كانت رائحتها رائحة صابون الغسيل والحنان.
الحمد لله تمتمت عند كتفي.
أخبرني كل شيء. هل أطعموك ماذا أكلت ومن كوى قميصك هناك يبدو أملس جدا.
ضحكت متذكرا صباحي
كويته بالملعقة يا أمي.
ضحكت هي وقبلت خدي
يا بني لينر الله طريقك.
وهكذا مر الشهر الأول. شهر تعلمت فيه الفرق بين شوكة السمك وشوكة السلطة. شهر تعلمت فيه قراءة خط مارغريتا المرتجف. شهر صرت فيه ظلها وذاكرتها ودون أن أدري صرت درعها الوحيد ضد الذئاب التي كانت تشحذ أنيابها داخل بيتها نفسه.
لأن السلام في قصر البوابة السوداء كان سلاما مزيفا. وكانت الحرب على وشك أن تبدأ. وأول طلقة لن تأتي من الخارج بل من مكتب ليديا برائحة الفانيلا والخيانة.
مر نحو شهر منذ تغيرت حياتي بسبب عربة صدئة. شهر كامل منذ توقفت عن أن أكون فتى الفول السوداني وصرت ظل مارغريتا. بدأت أفهم روتين القصر. في البداية كنت ككلب في طريق سريع خائفا لا يعرف أين يركض. لكن رغبة النجاة معلم عظيم. تعلمت تمييز دواء الضغط من الفيتامينات دون تلعثم. تعلمت حمل حقيبتها التي تساوي أكثر من بيت أمي دون أن ترتجف يدي. بل تعلمت حتى توقيع اسمها على إيصالات الطرود بثقة كمن يحفظ اهتزاز يدها.
صارت صباحاتنا طقسا مقدسا. في الثامنة تماما كانت تخرج إلى شرفة غرفتها تتنفس الهواء أو ما يشبه الهواء وتصرخ إلى الحديقة
رامون! ماذا يخبئ لي القدر اليوم
وأنا أكون أسفل الشرفة أسقي الأزهار أو ألمع حذائي فأرفع رأسي وأجيب كأنني قائد
اليوم لديك مكالمة مع البنك وحبتان زرقاوان وحبة بيضاء وجولة حول الحديقة لتأخذين فيتامين الشمس يا سيدتي.
فتهز رأسها
جميل. قدم لي الشاي.
وهكذا يبدأ اليوم.
مع الوقت بدأ العاملون يخففون حذرهم. الطباخات صرن يخفين لي قطعة تاكو إضافية. والبستاني نفسه صار يحييني بإيماءة. لكن ليس الجميع كان سعيدا. كانت هناك نظرات حادة. بعضهم يراني كلبا ضالا تبنته السيدة بسبب نزوة. وقائدة ذلك الحقد لم تكن سوى ليديا.
ليديا المرأة التي تفوح بالفانيلا المستوردة والخيانة. كانت جميلة على طريقة المسلسلات
ذات خميس بعد الظهر انكسرت الطمأنينة. كانت مارغريتا في قيلولتها. وكنت في المكتب أرتب أوراقا وملاحظات حين سمعت طرق الكعبين المألوف طق طق طق. فتح الباب ودخلت ليديا. كانت ترتدي تنورة ضيقة وبلوزة حرير
مرحبا يا رامون قالت وهي تغلق الباب خلفها.
كان صوتها حلوا متفسخا.
وقفت سريعا
مساء الخير سيدتي. هل تبحثين عن السيدة إنها تستريح.
لا لا قالت واقتربت.
في الحقيقة أردت التحدث إليك على انفراد.
تجمد الدم في عروقي. غرائزي غرائز الحي الفقير اشتغلت
معي
بالعكس ابتسمت.
لقد صرت لا غنى عنه للسيدة. هي تثق بك كثيرا.
أنا أفعل عملي فقط.
ضحكت ليديا وبدأت تلعب بثقالة ورق كريستالية
اسمع يا رامون سأكون مباشرة. أنت تعلم أن السيدة مارغريتا لم تعد بكاملها. تنسى. يضيع خيطها.
أنا أراها بخير دافعت.
لا نتذاكى على بعض. أحيانا تترك ملفات وأوراقا تفاصيل حسابات وأسهم أشياء تساوي الكثير من المال.
اقتربت أكثر. كان عطرها باهظا وتحت العطر طمع خالص
إن وجدت يوما أوراقا كهذه أو مالا نقديا تنساه أحضره إلي.
سكت. كنت أستوعب كلامها.
هناك من يهتم بمستقبلها تابعت وهي تخفض صوتها.
وأنت يمكن أن تكافأ مكافأة كبيرة.
نظرت إلى فقر ملابسي وإلى يدي الخشنتين وظنت أن الفقر ضعف
لا تكن ساذجا يا رامون. أنت فتى ذكي. ملف هنا توقيع هناك ومستقبلك مضمون. تستطيع أن تخرج أمك من ذلك الحي الذي تعيش فيه.
ذكر أمي جعل فكي ينغلق. أردت أن أصرخ أن بيتي ليس حفرة لكنه بيت شريف. لكنني تمالكت نفسي. كانت قوية وأنا مجرد خادم. نظرت إليها وابتسمت بابتسامة بريئة مزيفة
حسنا سيدتي سأفكر. شكرا على النصيحة.
غمزت لي بعينها راضية ظنت أنها أمسكت بي
فتى جيد. كنت أعلم أننا سنتفاهم.
خرجت وتركت رائحتها وسمها في الهواء.
لم أخبر مارغريتا. من سيصدق فتى الشارع أمام الأستاذة قررت الصمت والمراقبة.
لكن الاختبار الحقيقي بدأ. في الأسبوع نفسه بدأت أجد أشياء غريبة هفوات. في يوم ثلاثاء كنت أمر في الممر فرأيت على الطاولة رزمة نقود. اقتربت. كانت أوراقا من فئة 500 و. ربما خمسون ألفا بلا رباط كأنها مناديل.
كان الممر خاليا. لا كاميرات واضحة. خفق قلبي. بخمسين ألفا يمكنني إصلاح سقف بيتنا. يمكنني شراء نظارات جديدة لأمي. يمكنني
مددت يدي. لامست أصابعي الورق النقدي. وفي لحظة رأيت مارغريتا في العربة تضحك ورأيت كيف دافعت عني. سحبت يدي كأن
لا قلت.
أنا فقير لكنني لست لصا.
أخذت المال وذهبت مباشرة إلى غرفة مارغريتا
سيدتي تركت هذا على طاولة المدخل قلت.
انتبهي قد يظنه أحد إكرامية.
رفعت كتابها ونظرت إلى المال ثم إلي. لم تبد متفاجئة ولا خائفة
آه شكرا يا رامون. يا لغبائي. ضعه هناك.
ولا كلمة مديح. فقط ضعه هناك.
بعد يومين حدث الأمر ثانية. وجدت ملفا مفتوحا فيه سندات ملكية وأوراق حساسة وشيكات موقعة على بياض. أغلقت الملف وأقفلته في درج المكتب وسلمت المفتاح
سيدتي أقفلت الدرج. كانت أوراق مهمة في الخارج. هذا المفتاح.
قالت
شكرا يا بني.
خلال أسبوعين وجدت ساعات في الحمام وأظرفا نقدية في المطبخ ووثائق سرية على الشرفة. كل مرة أعيدها. وكل مرة تقول شكرا وتواصل حياتها. كنت أظن ذاكرتها تسوء. لم أكن أعلم أنني كنت تحت امتحان.
بعد ثلاثة أيام استدعتني إلى المكتب. كانت مختلفة عيناها حادتان ووجهها قوي.
اجلس يا رامون.
جلست خائفا.
أريد أن أعرف ماذا كنت تريد أن تصبح في حياتك قبل أن تعبر العربة والحاجة طريقك
فاجأتني. لا أحد يسأل الفقراء عن أحلامهم. نظرت إلى يدي
كنت أريد أن أصبح محاميا.
رفعت حاجبيها
محاميا
نعم. أحب العدالة والحقيقة. في حينا كثير ظلم. أردت أن أدافع عن الناس. ثم يقولون إنني جيد في الجدال.
لم تضحك. كتبت شيئا ثم قالت
فهمت. يمكنك الانصراف.
بعد أسبوع جاء رجل ببدلة يحمل كتبا كثيرة
أبحث عن الشاب رامون.
أنا.
أنا الأستاذ ساندوفال. تم التعاقد معي لأكون معلمك الخاص. سنبدأ تجهيزك للجامعة اليوم.
سقطت المكنسة من يدي.
ماذا جامعة!
دخلت راكضا إلى مارغريتا
سيدتي هناك رجل يقول إنه معلمي يقول إنني سأدرس القانون!
قالت بهدوء
نعم. أتوقع أن تدرس كثيرا.
امتلأت عيناي بالدموع
لماذا تفعلين هذا من أجلي أنا مجرد موظف أنا لا أحد.
طوت الصحيفة ونزعت نظارتها ووضعت يدها على كتفي
اسمعني يا رامون. أنت لم تطلب مالا. لم تسرق. لقد تركت لك فخاخا شهرا كاملا نقودا شيكات مجوهرات. رأيت كل شيء.
تجمدت
كنت تعرفين
نعم. وليديا حاولت إفسادك. ولم تفسد. اجتزت الاختبارات كلها دون أن تعلم.
ابتسمت بعينين تلمعان بحنان
دفعتني بعربتك كما يدفع ملك ملكته. جعلتني أضحك حين أردت أن أموت. أعطيتني كرامة حين رآني الجميع قطعة أثاث. ساعدتني دون أن تعرف من أنا. لم يهمك المال. رأيت عجوزا تائهة وقررت أن تكون إنسانا.
كنت أبكي
شكرا شكرا يا أمي مارغريتا
مسحت دمعة بإبهامها
انهض يا محامي المستقبل. لا وقت للبكاء. لديك درس. وأنا علي أن أستعد لأني أشعر أننا سنحتاج مهاراتك قريبا.
ولم أكن