قالوا علي تركها
سريري.
هنا محطة النزول يا سيدتي أعلنت.
اقتربت لأساعدها على النزول. اقترب الأقارب كأنهم نسور لكنني كنت أسرع. أمسكت بذراعيها برفق ونفضت بعض الغبار عن وشاحها قبل أن أجلسها على الأريكة الفاخرة. غاصت في الوسادة وتنهدت. كأن السنوات كلها هوت فوقها دفعة واحدة بعدما أصبحت آمنة. ظلت تنظر إلي. ثبتت عيناها المتعبتان الدافئتان في عيني. كان التباين قاسيا هي على عرش مخملي وأنا واقف بيدين متسختين والعربة الصدئة إلى جانبي.
ما اسمك الكامل سألت بنعومة.
رامون رامون لوبيز في خدمة الله وخدمتك.
أومأت ببطء كأنها تنقش الاسم في ذاكرة هشة
رامون دفعتني كما يدفع ملك ملكته. شكرا لك.
حككت رأسي خجلا وشعرت أن وجهي يحترق.
لا شيء يا سيدتي. فعلت فقط ما كان سيفعله أي أحد قلت كذبا لأنني كنت أعلم أن لا أحد فعل ذلك خلال ثلاثة أيام.
خفضت نظرها إلى حجرها إلى يديها الفارغتين المتسختين.
لا أملك شيئا أعطيك إياه الآن قالت بحزن.
خرجت من بيتي بلا شيء لا نقود ولا مجوهرات
كان الأقارب من حولنا يحبسون أنفاسهم يراقبون ألا تعد الفتى الشارعي بلؤلؤ أو كنوز. لكن مارغريتا رفعت نظرها وفي عينيها تصميم من فولاذ
عد غدا في الصباح قالت.
رمشت مرتبكا
عفوا لماذا
أريد أن أعطيك شيئا أفضل من فول سوداني أو إكرامية قالت بحزم.
أريد أن أعطيك عملا.
تجمدت. عمل أنا
عمل حقيقي سألت متلعثما.
مثل بستاني أو شيء كهذا
عمل حقيقي أكدت.
عمل لم تكن تعلم أنه ينتظرك. هل تقبل
لم أعرف ماذا أقول. أومأت كمن تحركه النوابض.
نعم نعم أقبل. سأأتي.
تعال مبكرا أمرت.
لدينا الكثير لنفعله.
استدرت راجعا وأنا مذهول. أمسكت بعربتي وبدأت أمشي نحو الخروج. كان صرير العجلات نييييك نيييك هو الصوت الوحيد في تلك الصالة الممتلئة بالأغنياء الصامتين. كنت أشعر بنظراتهم في ظهري نظرات حقد وازدراء وفضول.
وأنا أخرج من بوابة الأسدين إلى الشارع سمعت إحدى الطباخات تهمس لأخرى قرب مدخل الخدمة
أرأيت بعضهم يدفع عربة فيجد قدره. وأنا هنا أمسح وأكنس منذ 2005 والحظ لا يعرف عنواني!
خرجت إلى الشارع. كانت الشمس قد غربت. ضربني هواء الليل البارد. نظرت إلى العربة الفارغة. قبل ساعة كانت تحمل عجوزا تائهة. الآن أشعر أنها تحمل ثقل وعد هائل. لم أكن أدري فيما ورطت نفسي. لم أكن أعرف من تكون هذه المرأة حقا ولا لماذا ينظر أهلها إليها بذلك الجوع. كنت أعرف شيئا واحدا غدا علي أن أكوي قميصي.
عدت إلى حيي نازلا من التلال إلى الواقع لكن عقلي بقي هناك بالأعلى خلف البوابة السوداء حيث غيرت عجوز
تلك الليلة لم يأتني النوم كأنه يهرب مني. ظللت أتقلب على فراشي الإسفنجي أحدق في سقف الصفائح حيث تتسلل الإضاءة البرتقالية لمصباح الشارع. كان رأسي خلاطا من الصور ضحكة السيدة مارغريتا بوابة الأسدين الحارس الذي كاد يموت رعبا وقبل كل شيء وعد العمل الحقيقي.
أي نوع من العمل يمكن أن تعرضه علي مليارديرة وأنا بائع عند الإشارة هل سأنظف المسبح بفرشاة أسنان هل سأكون من يطرد الذباب أو الأسوأ هل كانت تهذي ماذا لو ذهبت غدا ولم تتذكر اسمي أصلا
في الخامسة والنصف صباحا كنت واقفا. لم يصح ديك الجار بعد لكن أعصابي كانت مستيقظة. اغتسلت بدلو ماء بارد لأن الغاز نفد منذ أول أمس. وأنا أرتجف من البرد بحثت عن لباس الشرف قميص أبيض أحتفظ به لعيد الميلاد أو للدوائر الرسمية وبنطال أسود هو بنطال الخروج الوحيد لدي صار القماش يلمع من شدة اهترائه.
المشكلة أن القميص كان مكوما متجعدا. وبالطبع لم تكن هناك كهرباء في الحي منذ عاصفة الليلة الماضية. ذهبت إلى المطبخ أشعلت الموقد بعود ثقاب وسخنت ملعقة معدنية كبيرة من ملاعق تقديم الشوربة. قلت في نفسي
ما دامت لا توجد مكواة فالحيلة تقوم مقامها.
وبظهر الملعقة الساخن بدأت أفرد التجاعيد على الطاولة بحذر كي لا أحرق القماش أو أصابعي. كانت حيلة قديمة علمتني إياها جدتي إن كنت فقيرا فلا يظهر على الأقل أنك مهمل كانت تقول.
حين انتهيت نظرت إلى نفسي في قطعة مرآة مكسورة ملصقة على الحائط. لم أبد كرجل أعمال لكنني بدوت على الأقل شابا محترما ذاهبا إلى الصلاة. رطبت شعري بالماء لأسكن دواماته وأخذت نفسا عميقا
شجاعة يا رامون. اليوم أو لا يكون.
خرجت من البيت قبل طلوع الشمس. اعترضتني أمي عند الباب. كانت عيناها منتفختين من السهر.
إلى أين تذهب وقد سرحت شعرك هكذا يا ولد سألت وهي تشد أذني برفق.
إلى العمل يا أمي. إلى بيت السيدة.
تنهدت وأشارت بعلامة الصليب على جبيني
يا بني فقط احذر. إن رأيت أشياء غريبة إن طلبوا منك توقيع أوراق أو حمل أمور ملوية اركض واخرج. أهل المال لهم حيل مظلمة.
نعم يا أمي لا تقلقي. سأعود بأخبار طيبة.
ركبت حافلة صغيرة ثم حافلة تصعد نحو المرتفعات. نزلت قبل القصر بشارعين لأنني خجلت أن يراني أحد أنزل من النقل العام أمام ذلك المكان. صعدت مشيا وأنا أشعر بالعرق يهدد كي ملعقتي.
وصلت إلى البوابة السوداء في السادسة وخمس وأربعين دقيقة تماما. كان سكون الشارع الراقي خانقا لا تسمع إلا الطيور وكأنها تغرد أجمل لأن طعامها مستورد.
تأخرت البوابة في الفتح. أخيرا انزلقت النافذة الصغيرة وظهرت العينان نفسهما أنسيلمو الحارس. نظر إلي بمزيج من الشك والضيق
نعم
صباح الخير يا سيدي. جئت لرؤية السيدة. السيدة مارغريتا. قالت لي أن آتي.
رفع حاجبه وهو يفحصني من رأسي حتى قدمي. رأى حذائي الملمع لكن القديم وقميصي الصناعي ووجهي المرتبك.
قالت لك أن تأتي
نعم يا سيدي. أمس عندما أوصلتها. قالت إن لديها عملا لي.
هل أنت قريبها
لا.
هل أنت موظف من شركة ما
ليس بعد لكنها قالت
قاطعني بنفاد صبر
اسمع يا فتى. السيدة تقول أشياء كثيرة. أمس قالت للبستاني إنها رأت زوجها الميت يعزف البيانو. السيدة ليست بخير. لذا ارحل قبل أن تتصل بالشرطة.
لكنها هي من حددت موعدا! أصررت ووضعت قدمي قبل أن يغلق النافذة.
أرجوك اسألها فقط. قل لها إن رامون هنا.
تنهد الحارس بضيق
انتظر في الخارج. ولا تقترب من البوابة ستوسخها.
ثم أغلق النافذة بعنف.
وقفت هناك ككلب أمام محل لحوم. مرت عشر دقائق. خمس عشرة. عشرون. بدأت الشمس تلسع. شعرت أنني كنت أضحوكة. لابد أنها نسيتني قلت لنفسي وقد عقدت في معدتي عقدة. لابد أن أمي كانت على حق وأنا هنا أهين نفسي.
في السابعة وعشر دقائق سمعت أزيز الآلية الكهربائية. فتح باب جانبي صغير. لم تخرج مارغريتا. خرجت امرأة شابة قصيرة لكن حضورها يجعلها تبدو بطول مترين. كانت ترتدي فستانا أزرق داكنا ضيقا وحذاء بكعب عال كانت تمشي به على الحصى كبهلوان وشعرا مستعارا متقنا لا يتحرك مع الهواء. تحت ذراعها حقيبة فاخرة وكانت تنظر إلي كما لو كنت كيس قمامة ترك على الرصيف.
صباح الخير قالت بنبرة لا خير فيها.
صباح الخير سيدتي أقصد آنسة.
أنا الأستاذة ليديا قالت وهي تعدل نظارتها.
السكرتيرة الشخصية للسيدة مارغريتا والمسؤولة عن إدارة هذا البيت. أنت الفتى صاحب العربة
نعم أنا رامون.
كنستني بنظرة توقفت عند حذائي وعنق قميصي ثم ظهرت على فمها ملامح اشمئزاز صغيرة
همم أرى أنك تأنقت.
أحاول قدر المستطاع.
تنهدت وكأن وجودي يسبب لها صداعا
نعم أبلغت. اسمع يا طفل سأكون واضحة. السيدة مارغريتا لها لحظات. أحيانا تجمع قططا من الشارع وأحيانا تجمع بشرا. تقول أشياء كثيرة ليست حقيقية.
لكنها أمس كانت واعية حين عرضت علي العمل.
أطلقت ضحكة باردة
أمس قالت أيضا إنها رأت بانشو فيا في المطبخ. لكن حسنا هي تصر على رؤيتك. يمكنك الدخول.
ثم قبل أن أخطو وضعت يدها على صدري لتوقفني. كانت أظافرها طويلة مطلية بالأحمر
أمر واحد يا
ابتلعت ريقي. شعرت ببرودة الخوف في ظهري
نعم سيدتي. أنا لست سارقا. أنا فقير لكنني شريف.
هذا ما يقوله الجميع حتى يروا الفضة تمتمت ثم استدارت
اتبعني. وامسح قدميك ثلاث مرات قبل أن تلمس الرخام.
دخلنا. بدا البيت أشد فخامة في النهار. النوافذ تلمع حتى تخالها بلا زجاج. الحديقة خضراء كأنها مرسومة. سيارة فضية في المرآب عجلاتها تبرق حتى تؤلم العين. كل شيء يصرخ بالمال والسلطة والحصرية. وأنا كنت أمشي منكمشا محاولا ألا أشغل مكانا.
قادتني ليديا عبر الصالة ثم عبر ممر طويل تملؤه صور لأناس مهمين يصافحون بعضهم بعضا ثم خرجنا إلى شرفة خلفية تطل على حديقة واسعة. وهناك كانت هي.
مارغريتا. بالكاد عرفتها. لم تعد تلك العجوز المغبرة على المقعد. كانت جالسة على كرسي هزاز أبيض تشرب الشاي من فنجان خزف فاخر وترفع خنصرها كدوقة إنجليزية. كانت ترتدي فستان دانتيل بلون كريمي نظيف وأنيق. شعرها مرفوع في تسريحة متقنة وتنتعل خفين أبيضين مبطنين. كانت تبدو شخصا تلك السيدات اللواتي يقطعن الأشرطة في المناسبات.
وقفت عند باب الشرفة مرتعبا.
هذا هو الفتى سيدتي أعلنت ليديا بملل ثم انسحبت وهي تلقي علي نظرة تحذير أخيرة.
رفعت مارغريتا نظرها ورأتني فأنار وجهها
رامون! قالت ووضعت الفنجان.
اقتربت بتردد
صباح الخير يا سيدتي جئت مبكرا. لم أرد أن أفوت الفرصة.
ضحكت ضحكتها الصادقة نفسها
لم يكن عليك أن تقلق. أنت معين بالفعل. اجلس من فضلك.
أشارت إلى كرسي من الحديد المشغول أمامها. جلست على حافته خوفا أن أكسره.
شكرا وماذا عن العمل يا سيدتي هل تريدين مني أن أساعد في الحديقة أو أن أغسل السيارة أنا أفعل كل شيء أعرف الطلاء والحمل و
لوحت بيدها مبتسمة
لا يا رامون. لم أجلبك هنا لتحمل الأشياء. لقد حملتني بما يكفي أمس. أريدك هنا لتعمل معي. ستكون مساعدي الشخصي.
رمشت مرات عديدة مرتبكا
مساعدك الشخصي!
نعم.
وكيف يكون ذلك!
يعني أنك ستكون يدي اليمنى شرحت بهدوء.
ستساعدني على تذكر الأشياء. سترافقني إلى مواعيدي. ستذكرني بأدويتي. ستتمشى معي. وستساعدني على ترتيب الفوضى في رأسي.
حككت مؤخر رأسي
سيدتي بصراحة لم أكن يوما مساعدا لأحد. بالكاد أنهيت الثانوية. أنا أبيع الفول السوداني ولا أعرف الحاسوب ولا
أخذت رشفة من الشاي وابتسمت بحنان
وأنا أيضا لم يكن لدي مساعد يقود فيراري