قالوا علي تركها

لمحة نيوز

قالوا جميعا إن علي أن أتركها هناك
لكنني ارتكبت الخطأ حين قررت مساعدتها.
كانت تجلس منذ ثلاثة أيام على ذلك المقعد الإسمنتي تحت شمس لا ترحم تحرق الأسفلت هنا في المدينة. لم يكن أحد يعرف من أين جاءت. لقد ظهرت ببساطة ذات صباح عجوزا صامتة ملفوفة بوشاح قديم صار يفوح برائحة مطر عتيق وغبار. لم تكن تطلب نقودا ولم تمد يدها ولم تتحرك حتى لتطرد الذباب. كانت موجودة فحسب كقطعة أثاث قديمة أخرجها أحد إلى الرصيف ونسي أن يعيدها إلى الداخل.
عيناها كانت عيناها فارغتين ضائعتين كأنها تشاهد فيلما لا تستطيع عرضه إلا هي. كانت شفتاها متشققتين من العطش وتنتعل حذاءين لا ينتميان إلى الزوج نفسه. كان الناس يمرون بجانبها بعضهم يرسم إشارة الصليب وبعضهم يسرع خطاه ويتمتم بكلمات قاسية.
لا بد أنها ساحرة كانت تقول بائعة الذرة أو أن أبناءها تخلوا عنها لأنهم لم يعودوا يحتملونها.
لكنني لم أستطع أن أتوقف عن النظر إليها. اسمي رامون عمري ستة عشر عاما. أبيع حلوى المازابان والفول السوداني عند إشارات المرور أركض بين السيارات ومعي صندوقي البلاستيكي. أنا من أولئك الذين يعرفون كيف يصرخون تفضلوا فولا سودانيا! وكيف يبتسمون حتى لو لم يفطروا. في اليوم الثالث لم أعد أحتمل. أغضبني أن أرى كيف قبلها العالم كأنها قمامة.
عدت إلى بيتي غرفة صغيرة من صفائح معدنية حيث أصبحت تسريبات المطر جزءا من الديكور. قلت لأمي
يا أماه هناك عجوز عند موقف الحافلة تجلس هناك منذ يوم الاثنين.
لم تلتفت إلي كانت تواصل تقطيع الخضار
وماذا في ذلك اتركها. لا بد أنها مجنونة.
لا تبدو مجنونة يا أمي. تبدو كأنها كانت في يوم ما شخصا مهما. أعطيتها ماء اليوم وقالت إن اسمها مارغريتا.
تركت أمي السكين ونظرت إلي بفزع
رامون! هل تحدثت معها! صاحت بي. ثم قالت
أولئك الناس يحملون لعنات! لا تتدخل في مشاكل الآخرين! إن اقتربت منها قد يصيبونك بسحر أو قد يتهمونك بشيء ما!
ليست ساحرة إنها فقط تائهة. سأعود إليها. أريد أن أوصلها إلى بيتها.
إن ذهبت فلا تبك إلي إن أصابك سوء! صاحت أمي بينما خرجت مسرعا.
عدت إلى الموقف. كانت السيدة مارغريتا ما تزال هناك. وقفت أمامها وقلت
مساء الخير يا أمي.
رفعت نظرها ببطء
مساء الخير يا بني.
هل تتذكرين أين تسكنين
ابتسمت بحزن
لا أتذكر سوى اسمي مارغريتا. وأتذكر بوابتي. هي سوداء كبيرة والشارع معبد.
تنهدت. في هذه المدينة آلاف البوابات السوداء. لكنني لم أكن سأتركها هناك. نظرت نحو ورشة بناء فرأيت رفيقي صاحب الطوب. قلت له
أقرضني عربة اليد عشرين دقيقة من فضلك.
ومن ستحمل يا

فتى
السيدة قلت وأنا أشير إلى مارغريتا.
مسحت العربة بخرقة متسخة ثم اقتربت منها وانحنيت كما لو كنت سائق سيارة فاخرة
وصلت وسيلة نقلك يا سيدتي. إنها فيراري بطراز ريفي. لا حزام أمان فيها لكنني أعدك ألا أقع في الحفر.
نظرت إلي وللمرة الأولى منذ ثلاثة أيام أطلقت ضحكة أضاءت وجهها.
أستقل هذا سألت وهي تضحك.
حتى آخر الدنيا إن لزم الأمر. تفضلي.
لم أكن أدري أن تلك الرحلة على عربة صدئة ستغير مصيري إلى الأبد. ولم أكن أدري أن تلك العجوز ذات الحذاءين المختلفين كانت تملك نصف البلاد
دفع عربة بناء ليس علما نوويا لكن أن تدفعها كيلومترات صعودا وعلى متنها راكبة مهمة فذلك شأن آخر. بدأت المدينة تتبدل من حولنا ونحن نمضي. تركنا وراءنا ضجيج الأبواق ورائحة المقليات والأرصفة المتكسرة التي تنبت الأعشاب بين شقوقها.
شيئا فشيئا تحول المشهد. صارت بيوت البلوك الرمادية غير المطلية خلفنا وحلت محلها منازل ذات أسوار عالية وجهنميات تتدلى على الشارع. والهواء الذي كان هناك بالأسفل يشبه رائحة العادم واليأس صار هنا يشبه رائحة الثراء ياسمين وعشب مقصوص حديثا وذلك الهدوء الذي لا يشتريه إلا المال.
كانت مارغريتا صامتة في فيراريها الصدئة. أما أنا فكنت أتعرق عرقا شديدا ألهث كحصان يصعد مرتفعا لكنني لم أتوقف.
هل نحن على الطريق الصحيح يا رئيسة سألت محاولا إخفاء أن ذراعي بدأت تتشنج.
المكيف ممتاز يا بني أجابت بلمعة مزاح عادت إلى صوتها. ثم قالت
لكن أظننا نحتاج موسيقى.
ابتسمت والعرق ينساب على جبهتي.
على الرحب والسعة.
بدأت أدندن أغنية قديمة من تلك التي تحبها جدتي بوليرو نشازا يرتد صداه عن جدران القصور المسورة
طعمك في غنيت بصوت خافت.
أغمضت مارغريتا عينيها وبدأت تحرك رأسها على الإيقاع. للحظة لم نكن بائعا جوالا وعجوزا تائهة كنا شريكين يهربان من الواقع.
عبرنا شارعا ثم آخر. بدأت أشك.
يا أمي لا تقولي إن بيتك في رمز بريدي آخر لأن عجلات هذه المركبة بدأت تطلب التقاعد قلت مازحا رغم أن ساقي كانتا ترتجفان.
فتحت عينيها ونظرت حولها. تبدلت ملامحها. تلاشت الحيرة للحظة ورأيت ومضة معرفة.
انتظر همست.
هذه الرائحة رائحة الصنوبر. تنفست بعمق
نعم. هنا. شارع واحد فقط يا رامون. واحد فقط.
بذلت جهدا فوق طاقتي. انعطفنا في الشارع الرابع. تجمدت في مكاني. إن كانت الشوارع السابقة للأثرياء فهذا للمليارديرات. الأرصفة مثالية بلا علكة واحدة. الأشجار تصنع نفقا أخضر متقنا. وفي آخر الطريق يهيمن على المشهد بوابة كأنها مدخل السماء أو البنك المركزي.
كانت بوابة سوداء هائلة من حديد
مشغول سميك كأنه يوقف دبابة. وفي الوسط رأسا أسد ذهبيان يلمعان تحت شمس العصر ينظران إلينا بغطرسة. بدت كمدخل حصن أو بيت سياسي ثقيل يظهر في الأخبار بسبب فضيحة اختلاس.
توقفنا أمام ذلك الجدار المعدني المهيب.
هذه هي قالت مارغريتا وهي تشير بإصبع مرتجف.
هذا بيتي.
أطلقت زفيرا لم أدر أنني كنت أحتبسه. انفرج فمي قليلا. نظرت إلى ثيابي المتسخة ثم إلى حذائي الممزق ثم إلى القصر ثم إلى العجوز الجالسة في عربة مليئة بالغبار.
حقا يا رئيسة قلت غير مصدق.
أأنت قريبة كارلوس سليم مثلا
لم تلتفت إلي. كانت تحدق في رأسي الأسدين.
اطرق أمرت.
لم يعد صوتها صوت عجوز تائهة على مقعد عام كان فيه حد سلطة جعل جلدي يقشعر.
اقتربت من البوابة. شعرت كأنني نملة على وشك طرق باب عملاق. أمسكت بالمطرقة المعدنية التي كانت أثقل من صندوق بضاعتي وطرقت مرة واحدة. ارتد الصوت في سكون الشارع
طنق!
لا جواب. انتظرت ثم طرقت ثانية
طنق!
سمعت خطوات ثقيلة من الداخل. فتحت نافذة صغيرة وظهرت عينان متشككتان.
من نبح صوت من الداخل.
أحضرت السيدة المالكة قلت محاولا أن أبدو واثقا رغم أنني كنت أشعر بالسخف وأنا أقف هناك مع عربة يد.
أي سيدة مالكة نحن لا نشتري شيئا هنا ارحل! كان الحارس على وشك إغلاق النافذة.
افتح يا أنسيلمو! قالت مارغريتا من العربة. كان صوتها ضعيفا لكنه واضح بما يكفي.
تجمد الحارس. فتح النافذة بالكامل ونظر إلى الأسفل. ثبتت عيناه على المرأة الجالسة بين الغبار والصدأ. اختفى اللون من وجهه في ثانية. صار شاحبا كالميت.
سيدتي! صرخ وصوته يتكسر.
يا للسماء!
تنحيت جانبا لأنني شعرت أن البوابة ستنفجر. وكادت تفعل. أزت الآلية الكهربائية وانفتحت مصراعا الحديد الأسود على اتساعهما. خرج الحارس جريا بعينين مذهولتين
السيدة! السيدة مارغريتا هنا! لقد ظهرت! كان يصرخ إلى الداخل كمن يعلن انتهاء حرب.
ما حدث بعد ذلك كان كأنه مشهد من مسلسل مكسيكي لكن بسرعة عالية وبدراما مضاعفة. انفجر البيت حركة. من الباب الرئيسي البعيد يبعد نحو خمسين مترا خلف حديقة كملعب الغولف خرج الناس يركضون. خرجت خادمات بمرايل بيضاء وسائقون يزررون ستراتهم وبستانيون يتركون خراطيم الماء. كالنمل حين يضرب عشه.
ثم خرجوا هم أفراد العائلة. كان يمكن تمييزهم من ملابسهم ومن طريقة سيرهم. خرجت امرأة شابة بعباءة حريرية والكحل ملطخ أو ربما لم يسعفها الوقت تصرخ
أمي! أمي أنت حية!
ومن خلفها آخرون رجال ببدلات ونساء بحلي تلمع تحت الشمس. ركضوا نحونا بوجوه تجمع بين الصدمة وارتياح مصطنع وإن دققت ربما لمحت خيبة مخفية.
يا
إلهي يا خالتي! صرخ أحدهم.
ظننا الأسوأ!
أين كنت بحثنا عنك في كل مكان! كانت المرأة ذات العباءة الحريرية تبكي وهي ترتمي على ركبتيها أمام العربة لكنها تحاذر أن تلمس ركبتاها التراب.
لم تقل مارغريتا شيئا. بقيت جالسة جامدة بوجه خاو. كانت تنظر إلى تلك الجموع كمن ينظر إلى طيور كثيرة الصخب في قفص. لا عاطفة في عينيها فقط تعب لا ينتهي ولمعان وعي مفاجئ مخيف. كانت تعرف أن تلك الدموع دموع تمساح. وكانت تعرف أن كثيرين منهم في داخلهم يحسبون الإرث.
أما أنا فبقيت واقفا ممسكا بمقابض العربة أشعر بأنني أكثر كائن غير مرئي في الكوكب. كنت وسط عاصفة من الأغنياء والعطور الباهظة متعرقا ومتسخا أرتدي قميص كرة قدم باهتا. لم ينظر إلي أحد. بالنسبة لهم كنت جزءا من العربة ملحقا.
خذوها إلى الداخل! بسرعة اتصلوا بالطبيب! أمر رجل أصلع بدا أنه الآمر الناهي. حاول سائقان رفع مارغريتا لكنها رفضتهما بإشارة جافة من يدها.
لا.
ثم أدارت رأسها وبحثت عني بعينيها
رامون.
سكت الجميع والتفتوا إلي. شعرت بأربعين عينا تثبت في وجهي.
نعم يا سيدتي قلت بصوت خافت.
أنت قالت بحزم.
أنت سائقي. أنت الذي ستأخذني إلى الداخل.
نظر الرجل الأصلع إلي بازدراء
لكن يا خالة هذا الفتى متسخ. سيوسخ الأرضية. لدينا كراسي متحركة في الداخل.
قلت رامون كررت مارغريتا. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض.
عدت ورفعت العربة. صرخت العجلات صريرا نييييك فكسر الصوت تلك اللحظة المهيبة.
اسمحوا افسحوا الطريق هذه الفيراري تمر تمتمت وأنا أشق طريقي بين وجوه الأقارب المتجهمة.
دفعت العربة فوق ممر مرصوف بإتقان. مررنا بجانب نافورة ذات ثلاث طبقات وتماثيل ملائكة تقذف ماء صافيا. مررنا بجانب سيارات تكلف أكثر مما سأكسبه في عشر حيوات مرسيدس بي إم دبليو سيارات دفع رباعي مصفحة. وصلنا إلى المدخل. تمثالان لأسدين من الرخام يحرسان بابا خشبيا منحوتا.
الدخول إلى هناك كان كعبور بوابة إلى عالم آخر. صفعتني رائحة المكيف فامتصت عرقي في لحظة. كان المدخل فاحشا. أرضية من رخام أبيض مصقول إلى حد أنني رأيت انعكاس حذائي الممزق فيه. ثريا كريستالية تتدلى كأنها مطر ألماس. جدران مليئة بلوحات لأشخاص ذوي وجوه صارمة وأثاث يبدو قديما وباهظا.
تركت عجلاتي الموحلة أثرا متسخا على الرخام الناصع. سمعت إحدى الخادمات تطلق شهقة مكتومة حين رأت الأثر.
سيدتي عذرا على الفوضى همست وأنا أشعر بصغري.
هل ما زلنا في المكسيك أم عبرنا إلى أوروبا!
ابتسمت مارغريتا. كانت أول ابتسامة حقيقية أراها منذ وصلنا.
نحن في البيت يا رامون. تابع.
دفعتها حتى وسط
الصالة التي تشبه بهو فندق خمس نجوم. أرائك مخملية وسجاد فارسي. توقفت قرب مقعد بيج يبدو أريح من
 

تم نسخ الرابط