بعد وفاة امى حكايات اماني سيد
المحتويات
كانت نظرة حد كشف اللعبة كلها. قومت وقفت على حيلي، ومسحت الدم من شفتي، ولأول مرة صوتي مكنش واطي، صوتي كان قوي وهادي، هدوء ما قبل العاصفة.
بصيت لبابا وقولت له أنا مسرقتش حد يا بابا.. أنا أخدت حقي.
الصالة كلها سكتت. عمتي وقفت لطم وجوزي قرب مني وهو بروق دمه وقال حق إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ حيلتك حاجة؟ ده أنتِ عايشة بجميلنا ولقمتك من خيرنا!.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة خلتهم كلهم يترعبوا من شكلي. مشيت بخطوات ثابتة للمطبخ، ومحدش قدر يمنعني من ذهولهم. مديت إيدي ورا الأنابيب وسحبت الكيس الأسود. طلعت منه ورقة التنازل المزورة، ورفعتها في وش بابا وعمتي.
أول ما بابا شاف الورقة، وشه اتقلب ألوان، والعباية بدأت تترعش من ركبته اللي مش شايلَاه. قولت له بصوت مسموع للكل الورقة دي عليها إمضتي المزورة.. الإمضاء اللي أنت وعمتي زورتوها وأنا عيلة صغيرة بعد موت ستي، عشان تاخدوا نصيب أمي في البيت والفلوس اللي ستي كانت شايلاها ليا.. كنتوا فاكرين إني هفضل طول عمري الخدامة اللي بتاكل بواقي أخواتها وبتشيل قرفكم وهي ساكتة؟!.
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!.
عمتي صرخت أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!.
رديت عليها بثقة الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسرقتوني.. والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد..
وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضربني ويموتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟! وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!.
بعد موت امى ٢
بصيت لجوزي ولعمتي ولبابا.. التلاتة كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الكبرياء والظلم والشر اللي كان في عيونهم اتمسح وبقى بداله رعب وفضيحة هتوصل لكل حتة في المنطقة.
أبو العروسة لمح الهدوم المرمية في الأرض وشكل الصالة المقلوبة، وبص لي وأنا ماسكة الكيس الأسود وفي وشي أثر القلم، وقال هو في إيه في البيت ده؟! إنتوا بتخبو علينا إيه؟!.
قربت من أبو العروسة، وفتحت بوقي عشان أحكي له كل حاجة وعمتي بتبص لي بنظرة رجاء وتوسل لأول مرة في حياتها..
قربت من أبو العروسة، وعمتي عيونها كانت بتترجاني، وبابا حاطط إيده على بوقه كأنه بيموت، وجوزي واقف عرقان وبدلة الفرح عليه بقت زي الكفن. بصيت لأبو العروسة وقولت له بكل برود
البيت ده مفيش فيه فرح يا عمي.. البيت ده فيه سرقة وفضيحة. العريس اللي واقف قدامك ده وأمه سرقوا فلوس الشبك والمؤخر وفلوس القاعة اللي كانوا واعدينكم بيها، والناس اللي أنت شايفهم متبهدلين دول كانوا بيفتشوا البيت لأن الفلوس اختفت.. مفيش مليم واحد يدفعوه للكوافير ولا للقاعة، وابنك وبنتك لو كملوا الجوازة دي هيعيشوا في المحاكم.
أخو العروسة سمع الكلمتين دول ودمه فار، قرب من جوزي ومسكه من ياقة بدلته وزقّه الكلام ده صحيح يا فالح؟! إحنا بقالنا شهور بنجهز وبنتشرف بيكم، وفي الآخر تطلعوا نصابين ومش معاكم تدفعوا حساب الكوافير؟! فين الشبكة اللي قولتوا طالعين تجيبوها؟!
جوزي لصحابه وقرايبه مكنش قادر ينطق، بص لأمه اللي قعدت في الأرض تبكي وتقول بنت عمك هي اللي سرقتنا يا حج! البت دي خطفت شقا عمرنا وولعت في البيت، هي اللي معاها الفلوس في الكيس ده!
أبو العروسة بص للكيس اللي في إيدي وبص لورقة التنازل، ولمح أثر الضرب على وشي والدم السايل من شفتي. الراجل كان ذكي وفهم إن في مصيبة عائلية وتصفية حسابات هتدمر بنته لو دخلت البيت ده. بص لعمتي وقرفان وقال بنت أخوكم بتقول إنكم زورتوا حقها وسرقتوها، وأنتِ بتقولي هي اللي سرقتكم.. إحنا مالنا ومال قرفكم ده؟! بنتي مش هتدخل بيت عيلته حرامية وبياكلوا مال اليتيم!
التفت لبابا وقال له وأنت يا راجل يا ناقص، سايب أختك وابنها يبهدلوا بنتك وتضربها في يوم زي ده عشان يداروا خيبتهم؟! الجوازة دي باظت، والماذون اللي مستني في القاعة هخليه يكتب ورقة طلاق بنتي حالا، والمنقولات والجهاز اللي فوق مش هيقعد منهم معلقة واحدة في الشقة دي.. يلا يا ابني!
خرج أبو العروسة وأخوها وهما بيسبوا ويلعنوا، ونزلوا على السلم وصوتهم جاب آخر الشارع. عمتي لمت الجيران وقرايبنا وبدأت تصوت وتلطم فرح ابني انخرب! الفضيحة بقت بجلاجل في المنطقة كلها!
وأنا قاعدة في مكتب المحامي، تليفوني مكنش بيبطل رن.. بابا، عمتي، جوزي.. رسايل تهديد وشتائم ووعيد بالقتل. وفجأة، جت لي رسالة من رقم جوزي، بس المرة دي الكلام مكنش منه.. كانت رسالة صوتية من العروسة اللي كانت من شوية هتبقى ملكة الشقة اللي فوق.
فتحت الرسالة، وكان صوتها كله غيظ وغل وهي بتقول فاكرة نفسك انتصرتي يا خدامة؟ وحياة أمي لأخلي جوزك يدفنك حية، والشقة اللي فوق دي هاخدها هاخدها، والفلوس اللي سرقتيها هترجعيها ورجلك فوق رقبتك، إحنا بلغنا الشرطة عنك يا حرامية!
قِفلت الرسالة وبصيت للمحامي وقولت له هما بلغوا.
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وقال يبقوا فتحوا على نفسهم طاقة جهنم.. يلا بينا على النيابة
بعد موت امى ٣
المحامي بصلها بنظرة كلها ثبات وقام وقف، لبس الروب بتاعه وقال بصوت قوي هما افتكروا إن البلاغ بتاعهم هيخوفنا، ما يعرفوش إنهم برجليهم بيجروا لحبل المشنقة. السرقة اللي هما بيتحاموا فيها دي مش هتاخد غلوة في النيابة لما نثبت إن الفلوس والدهب دول أصلًا ورثك الشرعي اللي منهوب بالورقة المزورة دي. يلا بينا، المواجهة بدأت.
خرجت مع المحامي وركبنا عربيته، وطول الطريق للنيابة كان شريط حياتي بيتعاد قدام عيني.. افتكرت ستي وهي بتسرح لي شعري وتقولي القناعة كنز يا بنتي، واكتشفت إن القناعة اللي زرعتها جوايا كانت جميلة، بس مع ناس بتخاف ربنا، مش مع دياب بشرية مستنيين الفرصة عشان ينهشوا لحمي. افتكرت نظرات إخواتي في فرحي وهما لابسين أحسن لبس وأنا بالفستان القديم، وافتكرت ليلة دخلتي الحزينة وأنا واقفة وسط جبل المواعين وعمتي واقفة ومربعة إيديها. كل الذكريات دي كانت بتتحول جوة قلبي لنار قايدة، نار خلت الخوف اللي عاش معايا طول طفولتي يتبخر ويحل محله رغبة عمياء في إني أشوفهم مكسورين زي ما كسروني.
وصلنا مبنى النيابة، والمحامي دخلني وطلب من سكرتير النيابة تقديم بلاغ عاجل بالتزوير والضرب والاحتجاز واستيلاء على أموال قاصر. وفي نفس اللحظة اللي كنا واقفين فيها في الطرقة مستنيين دورنا للدخول لوكيل النيابة، لقيت الباب الخارجي للمبنى بيتفتح، ودخل منه بابا وجوزي وعمتي ومعاهم محامي ماسك في إيده أوراق.
أول ما عمتي شافتني، وشها اتقلب لكتلة من الغل، وسابت المحامي بتاعها وجريت عليا وهي بتصرخ في وسط المصلحة الحكومية الحرامية اهي يا فندم! اهي اللي سرقت شقا ابني وخربت بيتنا يوم فرحه! اقبضوا عليها!
العساكر والموظفين اتلموا، وجوزي قرب وعيونه فيها نظرة لو كان يطول يدبحني بيها مكنش تأخر، وبابا واقف وراهم ويبصلي بنظرة خزي وعار كأني أنا اللي أجرمت في حقه مش هو اللي باعني.
محاميَّ وقف زي الأسد، وزق عمتي بعيد عني وقال بصوت جهوري هز الطرقة الزمي حدودك يا ست أنتِ! إحنا هنا في ساحة عدالة، والكلبشات اللي بتدوري عليها دي مش هتتمد لإيد البنت الغلبانة دي، دي هتتمد ليكم أنتِ وابنك وأخوكي النصاب اللي واقف وراكم!
المحامي بتاعهم قرب وقال إحنا مقدمين بلاغ رسمي في القسم والنيابة أهلت المحضر، البنت دي سرقت مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كبير وهربت يوم فرحها، ومعانا شهود من الجيران وقرايب العريس.
في اللحظة دي، خرج سكرتير النيابة وزعق فيهم إيه الهرج والمرج ده؟! ادخلوا جوة عند وكيل النيابة حالا!
دخلنا كلنا الأوضة. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه حازمة وعيونه حادة، قعد على مكتبه وبص
متابعة القراءة