بعد وفاة امى حكايات اماني سيد

لمحة نيوز

والبيت كله ساكت، مكنتش بعيط.. دموعي كانت نشفت تماماً، وجوايا حاجة غريبة بدأت تتولد، حاجة عمري ما حسيت بيها وأنا طفلة.. الغل والكره. تذكرت كلام ستي لما كانت بتقولي يا بنتي الطيب بياخد نصيبه في الآخر، بس اكتشفت إن الطيب في زماننا ده بيداس بالرجلين، وإن طاعتي وسكاتي هما السكينة اللي ذبحوني بيها.
الصبح طلع، وبدأت رحلة العذاب اليومي، بس المرة دي زاد عليها شغل الشقة اللي فوق. كنت بطلع السلم وأنا شايلة المقشات والمنظفات، وأدخل الشقة اللي المفروض كانت تكون بتاعتي، الشقة متوضبة على أعلى مستوى، ألوانها مبهجة، وفيها كل وسائل الراحة اللي اتحرمت منها تحت. كنت بنظف الأرضيات وأغسل الحيطان وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها في المكان ده بتدبحني.
وفي يوم، وجهاز العروسة بيترص، جت العروسة مع أمها وعمتي عشان يشرفوا على الرص. العروسة كانت بتتحرك في الشقة كأنها ملكة، وتلتفت لي وتقولي بدلع ولؤم اسمعي يا.. إنتِ اسمك إيه صحيح؟ مش مهم، المهم خدي بالك وأنتِ بتمسحي النيش ده، الكاسات دي غالية جداً وجوزي جايبهالي من بره، مش عايزة حاجة تتكسر.
عمتي ضحكت وقالت لها متخافيش يا حبيبتي، دي يدها خفيفة ومتعودة على الشغل من وهي عيلة صغيرة عند أمي، رصي وأنتِ مطمنة.
وقفت في النص، ماسكة الفوطة في إيدي، وبصيت لهم.. أمها بتبص لي بقرف كأني حشرة، وعمتي بتبص لي بانتصار، والعروسة بتتعامل معايا كأني خادمة بمرتب. وفي اللحظة دي بالذات، وجوزي داخل الشقة وشايل في إيده شنط وحاجات ليها، وأول ما شافها جري عليها وفضل يقولها تعبتي نفسك ليه يا قلبي؟ أنا كنت جيت رصيت معاكِ، وبصلي بنظرة تحذير ووعيد كأنه بيقولي إياكِ تنطقي.
في اللحظة دي، حسيت إن عقلي بيفصل عن الواقع. مشيت من قدامهم ونزلت الشقة تحت، دخلت المطبخ وقعدت على الأرض.. الفكرة بدأت تلعب في دماغي، فكرة إني مش هفضل كدة، وإني لازم أحرق قلوبهم زي ما حرقوا قلبي، بس مكنش ينفع أثور وأزعق لأني عارفة إن الضرب والذل هيكونوا مكافأتي، بابا بايعني، وستي
ماتت، وأنا طوع إيديهم.. يعني لو اتمردت علناً هتدفن مكاني ومحدش هيسأل عني.
بعد موت امى ١
قررت أغير الخطة.. قررت ألبس وش حاضر وطيب اللي ربتني عليه ستي، بس المرة دي بذكاء وخبث.
بدأت أتعامل معاهم بمنتهى الهدوء والطاعة العمياء، لدرجة إن عمتي وجوزي بدأوا يطمنوا لي تماماً، وافتكروا إن الكف والتهديد اللي فاتوا كسروا مناخيري وخلوني هادية وخاضعة أكتر من الأول. كنت بعملهم كل اللي عايزينه وبزيادة، لدرجة إن جوزي في يوم قال لأمه أنا قولت لك دي ملهاش ملجأ غيرنا، كلمتين ناشفين يربوها وتعرف قيمتها.
قبل الفرح بأسبوع، عمتي طلعت الشقة اللي فوق ونسيت مفاتيح الشقة ومفاتيح دولابها الخاص تحت في الشقة عندنا. عمتي كانت شايلة دهبها وفلوسها وفلوس ومقدم الفرح بتاع ابنها في الدولاب ده، وهي من النوع اللي بيخاف جداً بس الطمأنينة اللي حستها ناحيتي خلتها تسيب المفاتيح على ترابيزة الصالة وهي مستعجلة.
جوزي كان بره مع عروسته بيشتروا لبس الفرح، وعمتي فوق مع الجيران بيساعدوها في تجهيز الأكل. الشقة كانت فاضية تماماً.. ومفيش غيري.
مشيت بخطوات بطيئة ناحية الترابيزة، مسكت المفاتيح، وإيدي كانت بترتعش.. مش خوف، دي كانت رعشة الانتقام. دخلت أوضة عمتي، فتحت الدولاب، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي جواه. لقيت كمية دهب مش هقول كتيرة، بس دهب عمتي كله اللي حيلتها، ورزم فلوس مربوطة بأساور مطاطية، دي الفرحة والتحويشة اللي هيجوزوا بيها ابنهم ويفرشوا بيها حياتهم الجديدة.
مديت إيدي وأخدت الفلوس كلها، وأخدت علب الدهب، وقبل ما أقفل الدولاب، عيني وقعت على ورقة مطوية في قاع الخزنة.. سحبتها وفتحتها، وكانت الصدمة اللي شلت تفكيري؛ دي كانت ورقة تنازل عن نصيب ستي في البيت القديم لصالحه هو وأمه، ومكتوب فيها إن نصيبي الشرعي من أمي اللي ستي كانت شايلاهالي، بابا وعمتي زوروا إمضتي عليه وباعوه لبعض!
يعني أنا مكنتش عايشة بجميلهم، أنا كنت عايشة بفلوسي وبورثي اللي سرقوه مني وأنا مش دارية، وعشان كدة بابا رماني لعمتي عشان السر يفضل مدفون في العيلة، وعمتي جوزتني لابنها عشان تضمن إني أفضل تحت رجليها وخدامة ليهم ومطالبش بحقي في يوم من الأيام!
النار اللي في صدري اتقلبت لبركان. قفلت الدولاب بالراحة، ورجعت المفاتيح مكانها على الترابيزة. أخدت الفلوس والدهب والورقة دي، وحطيتهم في كيس أسود صغير، وداريتهم في أكتر مكان مستحيل حد يشك فيه.. وسط كراكيب المطبخ القديمة وتحت عيون البوتاجاز اللي مبعملش حاجة غير إني بنظفها.
رجعت عمتي من فوق وهي بتنهج، وبصت على الترابيزة لقت المفاتيح، أخدتها وقالت لي أنتِ يا زفتة، عملتي الغدا؟
بعد موت امى ١
قولت لها بصوت واطي أيوا يا عمتي، كله جاهز وجوه في المطبخ.
بصت لي برضا وقالت عفارم عليكي، خليكي كدة شاطرة ومطيعة عشان نعرف نعيشك معانا.
قعدت في المطبخ وأنا ببتسم ابتسامة مرعبة.. ابتسامة حد مبقاش عنده حاجة يخسرها. الفرح متبقي عليه أيام قليلة، والفلوس اللي في إيدي دي هي طوق النجاة بتاعي، والورقة دي هي السلاح اللي ههد بيه المعبد على رؤوسهم كلهم. مكنتش ههرب لسة، كنت مستنية اللحظة الحاسمة.. اللحظة اللي الضحكة فيها تتشال من على وشوشهم للآبد.
يوم الفرح الصبح، الشقة كانت مقلوبة، الكوافير تحت، والناس طالعة نازلة، وجوزي لابس بدلة الفرح وشكله فرحان بطريقة عمري ما شفتها. عمتي دخلت أوضتها عشان تلبس وتجيب الفلوس والدهب اللي هتنزل بيهم القاعة وتتباهى بيهم قدام أهل العروسة.
وفجأة.. صرخة زلزلت الشقة كلها، صرخة خلت كل اللي في البيت يقفوا مكانهم.. صرخة عمتي وهي بتلطم على وشها وتجري في الصالة وتصوت البيت اتسرق!! دهبي وفلوسي وشقا عمري ضاعوا يا لهوي يا فضحتي قدام الناس!!.
بعد موت امى ٢
خرجت عمتي للصالة وهي بتلطم على وشها بهستيرية، ودموعها نازلة بتمسح مكياج الفرح اللي كانت لسة حطاه. جوزي اللي كان واقف قدام المراية بيظبط كرافتة البدلة اتسمّر في مكانه، ووشه اتحول للون الإخضر في ثانية. جِري على أوضة أمه وهو مش مصدق، وبدأ يقلب في الدولاب ويرمي الهدوم على الأرض وهو بيزعق فين الفلوس يا أمي؟ فلوس القاعة والمؤخر والمصاغ! فين الدهب؟! أنتِ مستوعبة إحنا فرحنا كمان ساعتين وأهل العروسة على وصول؟!.
البيت كان مليان بناس من قرايبنا والجيران اللي جايين يباركوا، وفجأة الفرح اتقلب لمناحة. عمتي قعدت في الأرض تصوت وتقول الشقة مفيهاش كسر باب ولا شباك! محدش دخل هنا غريب.. مفيش غيرها!، وشاورت بإيدها المرتعشة عليا.
كل العيون في الصالة لفت وبصت لي. كنت واقفة في زاوية جنب المطبخ، ملامحي هادية تماماً، ومثلت الخضة والخوف ببراعة عمري ما تخيلت إني أملكها. حطيت إيدي على صدري وقولت بصوت مرعوب ودموع مصطنعة أنا يا عمتي؟! حرام عليكي، أنا هسرقك إزاي وأنا م بخرجش من البيت؟ وأروح فين بالفلوس والدهب وأنا ماليش حد في الدنيا!.
جوزي جِري عليا وزقني في الحيطة بكل قوته، لدرجة إن ضهري وجعني، ومسكني من رقبتي وهو بيجأر زي الديب والله العظيم لو طلعتِ أنتِ اللي خبيتي الحاجه لأكون دافنك هنا وعامل فرحي عليكي جنازة! أنطقي.. الفلوس فين؟! فتشتي الدولاب إمتى؟!.
نزلت على رجلي وبدأت أعيط وأصرخ فتشوا الأوضة.. فتشوني أنا.. فتشوا المطبخ! لو لقيتوا معايا حاجة موتونى!. كنت واثقة ومطمنة، لأن الكيس الأسود مكنش في الأوضة، ومكنش في مكان ظاهر. هما فعلًا سابوني وبدأوا يفتشوا بهمجية؛ دخل جوزي وأمه وأخواتي اللي كانوا وصلوا الفرح، وقلبوا الأوضة اللي بنام فيها.. رفعوا المرتبة، فتشوا الهدوم القديمة، ودخلوا المطبخ ورموا الحلل والأطباق في الأرض، لكن من ربكة عمتي وصدمتها مكنتش شايفة قدامها، وجوزي كان عقله طار من فكرة الفضيحة اللي مستنياه قدام نسايبه الجداد، فمحدش ركّز في كيس الزبالة القديم المركون ورا الأنابيب والكراكيب اللي تحت الحوض في عتمة المطبخ.
مالقوش حاجة. عمتي بدأت تصرخ الفلوس مش هنا! البت دي غسلت يديها وهرّبت الحاجه لحد بره.. اتصل بأبوها يجي يشوف المصيبة دي!.
نص ساعة وبابا وصل، لابس العباية الجديدة وبيمسح عرق الصدمة من على وشه. أول ما دخل وشاف عمتي بتلطم وجوزي هيدمر الشقة، بصلي بنظرة كلها غل وجري عليا ضربني بالقلم وقال سودتي وشي قدام أختي؟ وكمان بتسرقي في يوم فرح ابنها؟! وديتي الفلوس فين يا مقصوفة الرقبة؟!.
بعد موت امى ٢
وقعت على الأرض، ورفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي مكنتش نظرة طفلة مكسورة،
تم نسخ الرابط