لقى طليقته مغمى عليها
اللي قتلتها؟!
رد ببرود لسه بس لو رجعت تقرب أكتر هتكملها للنهاية.
المكالمة قفلت.
ياسين واقف مكانه، أول مرة في حياته يحس إنه مش ماسك حاجة لا شركة لا نفوذ لا حتى حياته.
بس مرة واحدة بص ناحية أوضة نور.
وبص لسليم.
وبصوت واطي جداً قال
أنا هكمل بس المرة دي مش ههرب من أي حاجة تاني سليم بص له نظرة طفل بس فيها وجع أكبر من سنه إنت هتسيب ماما تاني؟
السؤال كان بسيط بس خنقه.
ياسين نزل لمستواه، وحط إيده على كتفه لا مش هسيبها. ومش هسيبكوا.
سليم ما ردش، بس ما سابهوش.
كأنه بيختبره.
جوا العناية، نور كانت لسه بين الحياة والموت، الأجهزة حواليها بتتبدل بين استقرار وانهيار.
الدكتور خرج بسرعة لازم قرار فوري إحنا بنخسرها تدريجياً. السم اللي في جسمها محتاج ترياق، بس لازم نعرف مصدره بالظبط.
ياسين شد على أسنانه هاتوا أي حاجة أي تحليل قديم أي ملف ليها من أي مستشفى!
الممرضة في ملف قديم فعلاً جاي من مركز تحاليل خاص اسمه الضياء.
اسم وقع عليه زي الطلقة.
الضياء
شركة أدوية وتحاليل كان ليها علاقة بصفقة ضخمة في إمبراطوريته قبل سنين.
صفقة هو وافق عليها بنفسه.
في اللحظة دي، موبايله رن تاني.
نفس الرقم.
فتح بسرعة إنت عايز إيه مني؟!
الصوت رد بهدوء مخيف عايزك تفهم إن نور مش ضحية صدفة دي نتيجة قرارك. إمضاءك على الصفقة دي هو اللي خلّى كل حاجة تحصل.
ياسين عينه اتوسعت إنت بتكذب!
الصوت ضحك اسأل نفسك مين كان بيستفيد من اختفاءها؟ ومين كان هيخسر
سكت لحظة
وبعدين كمل وأهم سؤال ليه ولادك لحد دلوقتي ماعرفوش إنك عايش؟
الخط اتقفل.
ياسين حس الأرض بتلف بيه.
ولادك لحد دلوقتي ماعرفوش إنك عايش؟
بص ناحية سليم.
سليم كان واقف، عيونه ما بتتحركش من على الباب اللي وراه أمه.
وببطء شديد قال ماما قالتلي إن بابا مات.
الصمت اتكسر.
ياسين قرب منه لا أنا ما متش.
سليم بص له يبقى ليه سبتنا؟
السؤال وقع تاني بس المرة دي من طفل.
مش من ماضي.
من حاضر.
في نفس اللحظة، جوه الأوضة
نور فتحت عينيها فجأة، كأنها سمعت الصوت.
نظرتها راحت ناحية الباب.
وشفت ياسين.
وشفت سليم.
وشفت الحقيقة كلها بتتجمع في ثانية واحدة.
وشفتيها اتحركوا بصعوبة خد بالك منهم
وبعدها جهاز القلب بدأ يطلع صوت غير منتظم.
بيب بيب بي
الدكاترة جريوا جوه تاني.
والممرضة صرخت بتدخل في توقف تاني!
ياسين اتجمد عند الباب.
بس المرة دي
ما اتحركش بره.
دخل.
وهو بيقول بصوت ثابت لأول مرة مش هسيبها حتى لو هتحارب الموت نفسه الدكاترة حاولوا بكل الطرق صدمات كهربا أدوية ضغط لكن الخط على الجهاز كان بيكافح كأنه بيتقطع ويرجع بالعافية.
بيب بيب
نور عينيها بدأت تقفل تاني، بس المرة دي كانت أهدى كأنها قررت تسلّم.
ياسين واقف جنب السرير، ماسك إيديها ما تسيبيش أنا لسه مخلصتش كلامي معاكي لسه ما سمعتش كل حاجة.
سليم وقف عند الطرف التاني، مش فاهم كل التفاصيل، بس فاهم حاجة واحدة إن الست اللي قدامه هي أمه، وإنها بتضيع.
بص له ياسين
سليم قرب ببطء.
ياسين حط إيده على إيد نور، وحط إيده التانية على كتف سليم دي أمك وأنا أنا أبوك.
سليم سكت.
وبعدين فجأة دموعه نزلت إنت قولتلي إنك مش هتسيبنا.
ياسين مش هسيبكم.
في اللحظة دي
نور فتحت عينيها فتحه أخيرة.
بصت لياسين وبصت لسليم وبصت كأنها بتتأكد إنها أخيراً شافت الحقيقة كلها متجمعة.
همست خلي بالك من نفسه أكتر من الفلوس
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة من سنين.
والجهاز قال
بي
صوت ثابت.
طويل.
صامت بعده كل حاجة.
الدكتور دخل بسرعة، وبعدين وقف.
سكون.
وبص لياسين البقاء لله.
الكلمة ما كانتش صدمة جديدة كانت نهاية موجة طويلة من الألم.
سليم وقع على الأرض بيعيط.
ياسين وقف ساكت مش بيتكلم بس دموعه كانت أول مرة تنزل من غير مقاومة.
بعد أيام
المقبرة كانت هادية.
السماء رمادية.
ياسين واقف ماسك إيد سليم، والولد ساكت، مش بيعيط بس عينه مليانة أسئلة.
بعد ما خلص الدفن، سليم بص له هنروح فين دلوقتي؟
ياسين بص لقدامه على الطريق الطويل هنبتدي من الأول بس المرة دي مش لوحدنا.
سليم مسك إيده أقوى وماما؟
ياسين بص ناحية القبر وبعدين قال هتفضل معانا في كل خطوة صح هنعملها.
وبعيد، في مبنى ضخم تابع لشركة الضياء
مكالمة جديدة وصلت لرقم مجهول.
صوت هادي الست ماتت بس الراجل رجع للحرب.
ابتسامة خفيفة تمام خلّوه يكمل عشان النهاية اللي جاية أصعب.
والضوء اتطفي.
لكن حكاية ياسين ما انتهتش
دي كانت بس البداية ياسين
الريح كانت هادية بس جواه كان في عاصفة ما بتهداش.
سليم كان ماسك إيده، ساكت، بس كل شوية يبص على القبر كأنه لسه مش مستوعب إن ماما مش هترجع.
ياسين اتكلم أخيراً، بصوت واطي أنا هصلّح اللي اتكسر حتى لو هفضل طول عمري بدفع التمن.
سليم رفع عينه له هتفضل معايا؟
ياسين نزل لمستواه لآخر يوم في عمري.
سليم سكت لحظة وبعدين حضنه.
بعد أسابيع
ياسين وقف في مكتبه القديم في الشركة، بس المرة دي مكنش ماسك عقود صفقات كان ماسك ملفات تحقيقات.
كل حاجة اتفتحت صفقة الضياء، التلاعب في التحاليل، واللي كان ورا موت نور البطيء.
اللي طلع كان أكبر من شركة شبكة فساد كاملة كانت عايشة على حساب ناس كتير زي نور.
ياسين رفع رأسه وقال للموظفين اقفلوا كل حاجة ليها علاقة بالصفقة دي وبلّغوا النيابة.
مفيش اعتراض.
النفوذ اللي كان بيخليه فوق القانون هو نفسه قرر يكسره.
في بيت بسيط جديد على أطراف
المدينة
سليم كان بيذاكر، وياسين بيحضر له أكل في المطبخ.
حياة هادية مختلفة بس لأول مرة حقيقية.
سليم نده عليه بابا!
الكلمة دي وقفت ياسين في مكانه.
التفت له ببطء نعم؟
سليم ابتسم أنا عملت واجبي.
ياسين ابتسم، وعيونه دمعت وأنا بدأت أعيش صح.
في آخر مشهد
ياسين قاعد على السطح بالليل، شايف المدينة من بعيد.
بص للقمر وقال بهدوء يا نور أخدتِ كل حاجة مني عشان تفوقني وفعلاً فقت.
سكت لحظة.
وعد مني سليم مش هيعيش نفس الضياع.
الهواء
وكأن اسمها اتقال في السما.
والكاميرا بتبعد على أب وابنه بدأوا من الصفر بس المرة دي، على أرض صح.
النهاية.