الفخ المداري
في ليلة كان فيها المطر بيخبط على شباك القصر كأنه بيحاول يصحي حد من كابوس، كانت هنا واقفة قدام باب أوضة جوزها مازن، قلبها بيدق بعنف غريب الإحساس اللي جواها كان بيقول إن في حاجة غلط، حاجة كبيرة مستخبية بقالها سنين. من 3 سنين بالظبط، يوم ما دفنت أمها بإيديها، وهي حاسة إن النهاية دي مكنتش طبيعية بس سكتت، زي ما الكل سكت.
مدت إيديها المرتعشة وفتحت الباب والريحة هي أول حاجة خبطتها. ريحة تقيلة، مش غريبة عليها ريحة موت. رجعت خطوة لورا وهي حاطة إيديها على بوقها، بس فضولها وخوفها شدوها لجوه. الأوضة كانت ضلمة إلا من نور خافت جاي من مصباح صغير، وفي الركن كانت الكارثة.
جثة.
جثة متكومة على الأرض ملفوفة في قماش أبيض متبقع ومع أول خطوة قربت فيها، الدنيا لفت بيها. ملامح وش أمها كانت باينة نفس التجاعيد نفس الخاتم اللي كانت بتلبسه نفس كل حاجة.
مستحيل أنا دفنتك دفنتك بإيدي! صوتها خرج مكسور وهي بتترعش.
قبل ما تستوعب، سمعت صوت
اهربي حالاً لو ما مشيتيش دلوقتي، هتموتي زيها!
من غير تفكير، جريت. كين خدها من باب خلفي، والهواء البارد ضرب وشها وهي خارجة من القصر لأول مرة وهي حاسة إنها بتولد من جديد أو بتهرب من موت محقق. لقت تاكسي مستني، ركبت وهي بتبص لكين بامتنان، مش مدركة إن النجاة دي مزيفة.
لكن أول ما العربية اتحركت، الحقيقة كانت بتتكتب في مكالمة قصيرة
يا باشا كله تمام الأمانة في الطريق.
جوه العربية، هنا بدأت تحس إن في حاجة غلط. الطريق اتغير، النور اختفى، والدنيا بقت ضلمة وساكتة بشكل مخيف.
ده مش طريق بيت أبويا!
مفيش رد.
وقف العربية!
السواق بص لها بابتسامة باردة ورش السبراي. ثواني، والدنيا اسودت.
فاقت وهي متكتفة، مرمية على أرضية مخزن ريحته تراب وصدأ. صوت خطوات تقيلة قربت ووقف قدامها مازن.
أهلاً باللي رجعت من الموت زي أمها.
دموعها نزلت وهي بتصرخ
إنت قتلتها؟ ليه؟
ابتسم ابتسامة مفيهاش ذرة رحمة.
أمك كانت مجرد بداية صفقة قديمة مع حد أقوى مني ومنك الدجال عايز قلوب وقلوب العيلة ليها تمن أكبر.
اتجمدت.
يعني إيه؟!
يعني دمك هو المفتاح وأمك كانت القربان الأول.
أمر رجاله يقربوا. السكينة لمعت. واحد منهم رفعها فوق قلبها
وفجأة
صوت طلق نار قطع السكون.
الراجل وقع. كلهم اتلفتوا. الباب اتكسر ودخلت قوة من الشرطة.
ارموا السلاح!
الصوت كان حاد وقاطع.
في وسط الفوضى، هنا شافت كين. واقف بس المرة دي، عينيه مفيهاش خيانة. فيها ندم.
أنا بلغت عنهم متأخر بس ماقدرتش أسيبك تموتي.
مازن حاول يهرب، لكن اتقبض عليه بعد مقاومة شرسة. رجاله اتقيدوا، والمخزن اتحول من مسرح موت لمسرح عدالة.
هنا كانت مرمية على الأرض، بتنهج، عينيها تايهة بين الصدمة والنجاة.
أمي
كين قرب بهدوء
جثمانها كان محتفظين بيه الطقوس بتاعتهم بس خلاص، كله انتهى.
بعد أيام، هنا وقفت قدام قبر أمها المرة دي متأكدة إنها في مكانها الصح. الشمس
لكن قبل ما تمشي، صوت وراها همس
فاكرة إن كل حاجة انتهت؟
لفت بسرعة مفيش حد.
بس على الأرض كان في ورقة.
مكتوب فيها
القربان التاني لسه ما اتقدمش.
هنا ابتسمت ابتسامة خفيفة بس مش خوف.
المرة دي، كانت مستعدة.
هنا فضلت واقفة مكانها قدام القبر، الورقة في إيديها بترتعش، والكلمات محفورة في عقلها كأنها اتكتبت بالنار
القربان التاني لسه ما اتقدمش.
الهواء بقى تقيل فجأة مش زي هواء المقابر العادي، لأ كان فيه إحساس إن حد بيراقبها. رفعت عينيها ببطء تبص حواليها مفيش حد. الناس بعيدة، وكل واحد في حاله. بس الإحساس مراحش.
قبضت على الورقة جامد ولفتها في إيديها، وهمست لنفسها
مش هخاف تاني اللي حصل خلاص كشف كل حاجة.
لكن الحقيقة؟ كانت لسه ما اتكشفتش غير أول طبقة منها.
رجعت بيت أبوها، البيت اللي سابته من سنين بعد جوازها من مازن. كل ركن فيه كان بيصرخ بذكريات بس المرادي، الذكريات كانت أهون