ابني ضربني بالليل حكايات الهواري
المطبخ كان هادي بشكل غريب، الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة، وريحة الأكل اللي طالعة من على النار كانت كأنها بتغطي على حاجة تقيلة مستخبية في الجو، حاجة محدش شايفها غيري أنا ورأفت. بصيت على السفرة تاني المفرش النضيف، الأطباق المتلمعة، الفطار اللي اتعمل بحب عمره ما اتقدّر كل حاجة شكلها عيد، بس الحقيقة كانت جنازة.
صوت خطوات طارق على السلم كان تقيل مشي ببطء، يمكن عشان لسه نايم، أو يمكن عشان شايل نفس الغل اللي كان في عينيه امبارح. أول ما دخل الصالة، وقف فجأة.
عينيه جريت على السفرة وبعدين وقعت على رأفت.
جسمه اتشد، وشه شحب للحظة، بس بسرعة رجع لبروده المصطنع
إيه ده؟ هو في إيه؟ حفلة؟ ولا رجعنا نمثل العيلة المثالية؟
رأفت ما ردش، بس كان قاعد ثابت، إيده على الشنطة، وعينيه في عيون ابنه نظرة مش شفقة، ولا حتى غضب كانت حاجة أقسى كانت حكم.
أنا قلت بهدوء
تعالى يا طارق، افطر.
ضحك بسخرية
لا بجد! بعد اللي حصل امبارح؟ انتي فاكرة إن شوية أكل هيعدّي الموضوع؟
رأفت اتكلم لأول مرة، صوته هادي بس فيه حدة
اقعد يا طارق.
النبرة دي كانت كفاية تخليه يتجمد مكانه لحظة. يمكن أول مرة يسمعها من سنين. قرب ببطء وقعد، بس عينيه ما سابتش
خير؟
رأفت فتح الشنطة، وطلع الورق وحطه قدامه على السفرة، جنب طبق الفول
اقرأ.
طارق بص للورق، اتردد، وبعدين مسكه. عينيه كانت بتمشي على السطور بسرعة وبعدين بطأت وبعدين وسعت.
إيه ده؟!
أنا ما اتكلمتش. كنت مستنية اللحظة دي.
طارق بص لنا الاتنين، وصوته بدأ يهتز لأول مرة
إنتو بتهزروا؟! ده ده عقد بيع؟!
رأفت رد بهدوء
البيت ده باسمي واتنقل لي بعد الطلاق مباشرة. وأمك كانت قاعدة فيه كحق انتفاع وأنا سكت كل السنين دي عشانك.
طارق قام واقف فجأة، الكرسي خبط في الأرض
يعني إيه؟ يعني إيه الكلام ده؟!
أنا رفعت عيني وبصيت له
يعني من النهاردة أنا مش هقعد هنا.
سكت لحظة كأن الكلام مش داخل دماغه
و وأنا؟
رأفت رد المرة دي وهو بيقفل الشنطة
إنت قدامك اختيارين يا إما تمشي مع أمك وتبدأوا من جديد يا إما تفضل هنا لوحدك بس مش جنيه واحد هيجيلك مننا.
طارق ضحك ضحكة عصبية
إنتو بتهددوني؟! ده بيتي!
رأفت قام ببطء وقف قصاده، الفرق بينهم بقى واضح مش بس في السن، لكن في الهيبة
البيت اللي إنت ضربت فيه أمك عمره ما كان بيتك.
الكلمة نزلت عليه كأنها قلم تاني بس المرة دي أقسى.
طارق بص لي أول مرة عينيه تبقى مش مليانة تحدي كان فيها حاجة شبه
ماما إنتي موافقة على الكلام ده؟
قلبي وجعني دي نفس الكلمة اللي كنت مستنياها منه طول السنين ماما.
بس المرة دي ما رجعتش.
أنا وافقت امبارح أول ما إيدك اتمدت عليا.
سكتنا كلنا حتى الساعة بطلت صوتها في ودني.
طارق حاول يتكلم، بس الكلمات ما طلعتش. بص حواليه كأنه بيشوف البيت لأول مرة. الكنبة اللي كان بينام عليها، الحيطة اللي كان بيرزع فيها، الباب اللي كان بيقفله بعنف كل حاجة فجأة بقت غريبة عنه.
أنا أنا كنت متعصب
رأفت قاطعه
الغلط مش في إنك اتعصبت الغلط في إنك اخترت تضرب.
طارق بص لي تاني، المرة دي صوته واطي
أنا آسف.
الكلمة دي كنت مستنياها سنين. بس الغريبة؟ إنها لما جت ما عملتش الفرق اللي كنت متخيلاه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس فيها وجع
الأسف بييجي قبل الضربة يا طارق مش بعدها.
سكت ودموعه بدأت تلمع، بس حاول يداريها.
أنا لفيت وبدأت ألم حاجتي الشنطة كانت جاهزة من قبل الفجر. كل حاجة كانت متحضرة عشان القرار ده ما كانش لحظة، ده كان نهاية تعب سنين.
وأنا ماشية ناحية الباب، حسيت بإيده مسكت دراعي.
ماما ما تسيبينيش.
وقفت للحظة واحدة بس.
افتكرت الطفل اللي كان بيجري عليا وهو صغير، بيحضني ويقول لي بحبك.
بس افتكرت
سحبت دراعي بهدوء
أنا ما سيبتكش يا طارق أنا سيبت النسخة اللي وجعتني منك.
وخرجت.
رأفت خرج ورايا، وقفل الباب بهدوء مش رزع، ولا غضب قفلة النهاية.
نزلنا السلم وكل درجة كنت بحس إنها بتشيل من على قلبي حمل.
وأول ما خرجت للشارع، الشمس كانت طالعة دافية كأنها بتقول لي إن الحياة لسه فيها بداية.
ورايا في الشقة اللي كانت بيتي، طارق كان واقف لوحده لأول مرة من غير شماعات، من غير فلوس، من غير حد يدافع عنه.
قدام السفرة اللي اتعملت بحب واللي اتحولت لمرآة شاف فيها نفسه على حقيقته.
والحقيقة دي كانت أول خطوة في طريق طويل يا إما يصلحه يا إما يضيع فيه للأبد.
الباب اتقفل ورايا بهدوء، بس الصوت فضل جوايا عامل دوشة دوشة سنين من السكوت اللي أخيرًا اتكسر. كنت ماشية جنب رأفت في الشارع، بس حاسة إني لسه واقفة في نفس المطبخ، قدام نفس السفرة، ومستنية نفس الكلمة اللي كان المفروض تتقال من زمان.
رأفت بص لي بطرف عينه
إنتي كويسة؟
ضحكت ضحكة خفيفة مالهاش طعم
مش عارفة بس أول مرة من زمان أحس إني خفيفة.
هز راسه وقال
ده الطبيعي لما الإنسان يبطل يشيل اللي مش بتاعه.
ركبنا العربية وسكتنا شوية الصمت المرة دي