ساعدت راجل عجوز
بحنان لأ يا أمينة، إنتي عملتي اللي قليلين بيعملوه. لما الإنسانية بتسكت، الطيبين هما اللي بيتكلموا بأفعالهم.
لف للناس تاني ورفع عكازه القرية دي اتبنت على أرض خصبة، بس قلوب كتير نشفت وبقت زي الحجر. نسيتوا إن العظمة مش بالقوة، العظمة بالرحمة. عشان كده النهاردة، قدام الكل، بقول أراضي القرية دي ملك للي لسه بيعرفوا يحبوا من غير حساب.
حالة هرج حصلت وسط الناس. فيه اللي ركع على ركبه، وفيه اللي حاول يعترض بس نظرة العجوز سكتت الكل.
قالهم اتريقتوا على راجل عجوز تعبان، بس الوقت بيبين مين اللي يستاهل التقدير. عشت فقير عشان ألاقي اللي لسه فاكر يعني إيه يكون بني آدم. ولقيت الذكرى دي في قلب ست كانت منبوزة ومتواضعة.
أمينة خبت وشها بإيديها. حست إنها صغيرة قدام الخبر ده.
ابنها حضڼ رجليها وقالها يا ماما، ده بيتكلم علينا.
كمل العجوز أنا مأخترتش أمينة عشان شفقة، أنا اخترتها عشان هي الحقيقة. علمتني إن السلطة من غير رحمة ملهاش قيمة، وإن الخير المستخبي هو بذرة العدل. النهاردة، اللي كان بيتريقوا عليه بقى مثل. واللي كانوا بيحتقروه بقى مراية ليهم.
كلامه رن في كل ركن، ودخل قلوب اللي بيسمعوا. رجالة كانوا شواف حالهم بقوا بيعيطوا. ستات كانوا بيتنمروا بقوا باصين في الأرض
رفع العجوز عينه للسما وقال فيه ناس بتقول إن ربنا مستخبي في المعابد، بس أنا بقول إنه بيبان في الحركات البسيطة، في القلوب الطيبة. ولما المظلومين بيتهانوا، الزمن نفسه هو اللي بيرفعهم.
الناس ركعوا، وطلعت أغنية من وسطهم، لحن قديم عن السماح والبداية الجديدة. الهوا طير تراب دهبي من الأرض، والعجوز غمض عينه لحظة كأنه بيشكر ربنا.
أمينة بصت له وقالت أنت اديتني أكتر مما كنت أحلم.
رد عليها بحنية مش أنا يا بنتي، ده عدل ربنا اللي استنى الوقت الصح عشان يبان.
وفي اللحظة دي، القرية كلها فهمت. الشحات اللي استحقروه زمان كان مراية للي جوه كل واحد فيهم، ودليل إن الخير الحقيقي مبيضيعش أبدا.
الشمس كانت بتبدأ تغيب ورا الجبل لما العجوز، اللي بقى الحاكم دلوقتي، اتكلم تاني. الساحة كانت لسه مليانة ومحدش جرأ يمشي. الجو كان فيه خليط من الكسوف والهيبة. أمينة فضلت واقفة ودموعها على وشها وابنها ماسك إيدها. باكو، جوزها، كان بيتفرج من بعيد، مستخبي وسط الرجالة وبيحاول يختفي.
أخد العجوز نفس عميق وقال في الوقت اللي عشته وسطكم، اتعلمت إن عدل البشر بيبقى ضعيف لما القلب بيبقى قاسې. بس عدل ربنا مبيفشلش أبدا.
لف لمجلس
وشوشة سادت المكان. باكو وشه بقى أصفر. الحراس لافوه وجرجروه لنص الساحة. حاول يقاوم بس قوتهم غلبت الكبرياء اللي كان سنده.
لما وقفوه قدام الحاكم، عيون أمينة اتملت ۏجع.. مش ڠضب، بس شفقة.
العجوز فضل باصص لباكو ثواني طويلة قبل ما يتكلم. صوته كان هادي وموزون يا راجل، إنت عارف الست دي؟
وطى باكو راسه وتمتم أيوه.. دي مراتي.
وعارف إنت عملت فيها إيه؟
تردد باكو والعرق نازل على وشه قلت عليها كلام وحش.. وضړبتها.
ليه؟
عشان الكبرياء عماني.. وعشان الفقر خلاني حاقد.
هز العجوز راسه بالراحة الفقر حجر في الطريق، فيه اللي بيبني بيه سلم، وفيه اللي بيرميه على جاره. إنت اخترت توجع لما كان ممكن تحمي.
سكوت تقيل نزل على الكل.
وبعدين رفع العجوز عكازه الراجل اللي يرفع إيده على ست، بيرفع إيده على الخالق اللي أداله سر الحياة من خلالها. واللي يكسر خاطر نفس طيبة، بيكسر خاطر القرية كلها.
باكو حاول يتكلم بس الكلام هرب منه.
الحاكم طلع حكمه من النهاردة، هتخسر حقك في بيتك وهتشتغل في غيطان القرية لحد ما العرق يعلمك قيمة الاحترام.. مش كعقاپ، بس كدرس. ولما روحك تفهم إيه اللي دمرته، يمكن تلاقي السماح.
الناس
لف العجوز لأمينة وقالها يا بنتي، يا اللي اتهانتي قدام الكل.. النهاردة إنتي دليل إن العدل يمكن يتأخر بس مسيره يوصل. الإيد اللي ۏجعتك هي اللي هتتعب في الأرض اللي بقت ملكك.
حارس جاب لفة ورق واداها للحاكم. فتحها بالراحة وقرأ منها بالحق والجدارة، الأراضي دي بقت ملكك يا أمينة، وليكي ولعيالك من بعدك. حافظي عليها زي ما حافظتي عليا.. بصبر وإيمان ورحمة.
أمينة رجعت لورا وهي مذهولة أنا؟ أنا مستاهلش كل ده.
ابتسم العجوز وصوته كان حنين الطيبين دايما بيفتكروا إنهم مستاهلوش. بس عشان كده بالذات ربنا بيأمنهم على أغلى ما عنده.
تصفيق حاد طلع من الناس.. بدأ هادي وبعدين كبر وملى الجو زي الريح. ستات كانوا مستحقرينها بقوا يقربوا يلمسوا إيديها وعينيهم بتطلب السماح. رجالة كانوا بيتريقوا وطوا راسهم. حتى العيال بقوا يجروا حواليها بفضول.
باكو وهو على ركبه كان بيعيط سامحيني يا أمينة، أنا عمري ما شوفت الست اللي كانت جنبي.
قربت منه بالراحة وبصت في عينيه وقالت السماح مش نسيان يا باكو، السماح هو إن الواحد يسيب اللي فات. ربنا يعينك