ساعدت راجل عجوز

لمحة نيوز


الفقيرة اللي القرية كلها ناسياها، بتتكلم بحكمة حد شايل شيلة الدنيا وفاضل جواه مكان للخير.
بعد شوية قام بالراحة وسند على غصن شجرة ناشف كأنه عكاز، وبص لها وقال الناس بتحكم على اللي مش فاهماه، بس فيه عيون ربنا بيباركها عشان تشوف الحاجات المستخبية.
الهوا شد وطير الشجر والتراب. أمينة فضلت واقفة تتفرج عليه وهو ماشي في الممر الضيق لحد ما اختفى وسط الشجر. وكلامه فضل يرن في ودنها زي الوعد.
لما رجعت القرية، لاحظت النظرات. الستات بتوشوش على الأبواب، والرجالة بيشاوروا، والعيال بيكرروا الكلام اللي بيسمعوه من غير ما يفهموا معناه.
كانوا بيقولوا دي اللي ماشية مع بتاع الحطب.. تلاقيها بتبيع نفسها عشان حتة لقمة.
أمينة سمعت كل ده وسكتت. كملت مشوارها وابنها بين إيديها وراسها فوق.
لما وصلت البيت، نيمت الواد وبصت للڼار الضعيفة اللي قايدة. أخدت آخر شوية دقيق عندها وعملت بيهم عصيدة. وهي بتقلب الحلة، فكرت في العجوز والعيش اللي كان عاوز يقسمه معاها. ابتسمت لنفسها وفكرت إن الغنى الحقيقي مش في اللي بتديه، لكن في اللي بتخليه معاك عشان التاني ميبقاش ناقصه حاجة.
لما الليل دخل، أمينة صلت ودعت بصوت واطي يا رب بارك في الراجل العجوز ده، واديني القوة أفضل أساعد، حتى لو العالم مش فاهمني.
الأيام بدأت تتكرر بنفس الروتين. كل يوم قبل ما الديك يصحى، أمينة تصحى، تربط راسها، وتروح للطريق. نفس الطريق التراب، نفس الشجر، نفس الصمت. وهناك دايما كانت بتلاقي العجوز قاعد في الضل، بيجهز حزم الحطب بصبر غريب.
أمينة بدأت تجيب له حاجات بسيطة حتة قلقاس مستوية، شوية درة، شوية مية نضيفة. ساعات كانت بتقسم أكل ابنها معاه وتقول لنفسها

الواد ياكل بكرة، بس العجوز ده معندوش وقت فاضل.
كانت بتعمل ده من سكات، من غير ما تستنى شكر. كان فعل طالع من القلب وبيرجع لها في صورة راحة بال.
بس القرية مكنتش بتسامح اللي بيعمل خير في صمت.
الكلام بدأ بوشوشة، وبعدين بقى همهمة، لحد ما بقى شتيمة عيني عينك.
الست دي عقلها فوتت، بتقضي يومها كله مع شحات وكمان بتدافع عنه.
وناس تانية أشرار ألفوا قصص تلاقيها بتبيع نفسها عشان كوم حطب قديم.
أمينة كانت بتسمع كل ده وهي معدية ومبتردش. كانت بتبص في الأرض وتكمل مشي. اتعلمت إن السكوت هو درع الطيبين، وإن لسان الناس مفروض ميمشيش قدر ست مؤمنة.
بالليل وهي راجعة هلكانة، ابنها يسألها يا ماما، ليه الناس الۏحشة بتضحك عليكي؟
وهي تطبطب على وشه وتقوله عشان مش فاهمين قيمة الخير، بس مسيرهم في يوم هيفهموا.
مع الوقت، الصداقة بينها وبين العجوز بقت حاجة القرية مش قادرة تسميها. كان بيحكي لها قصص قديمة، عن بلاد بعيدة، وعن زمن كان الناس لسه بيحترموا فيه بعض. أمينة كانت بتسمع بتركيز كأنها بتجمع حكمة من بين السطور.
العجوز كان بيقولها الدنيا بتتغير يا بنتي، بس قلب البني آدم هو اللي بيبين إذا كان العمر اللي ضاع ده كان يستاهل ولا لأ.
ساعات العجوز مكنش بيتكلم خالص. يفضل باصص للأفق وعينيه مليانة ذكريات. في اللحظات دي، أمينة كانت بتحس بۏجع كبير جواه، وحدة مفيش عيش ولا مية يقدروا يداووها. ومن غير ما تعرف ليه، كانت بتقعد جنبه في صمت، زي اللي بيصلي من غير كلام.
وأهل القرية فضلوا يتريقوا. العيال يقلدوا العجوز في الشارع وهو ماشي محڼي ويضحكوا. الكبار يوشوشوا لما يشوفوهم مع بعض. بس أمينة مكنتش بتتهز. كانت شايلة في قلبها يقين إن
الخير مش محتاج
سقفة عشان يكون موجود.
ساعات وهي بتساعده يشيل الحطب لحد النهر، كانت بتفكر في جوزها اللي ماټ وفي المرات اللي الناس حكموا عليها لمجرد إنها بتحاول تعيش.
كانت بتقول لنفسها يمكن ربنا بيبعتلي الاختبارات دي عشان يفكرني إن الإيمان هو اللي بيسند اللي مضلش معاه حاجة.
في يوم العجوز حاول يشكرها. وقف في نص الطريق وسند الحطب على الأرض وقال إنتي مش عارفة إنتي بتساعديني قد إيه. اللي بتعمليه ده مش صدقة، ده إحياء لروح بټموت.
أمينة ابتسمت وقالت كلامك حلو يا حاج، بس أنا بعمل اللي أمي علمتهولي. لما الدنيا بتبقى تقيلة، الأحسن إننا نشيل مع بعض بدل ما الحمل يقع بينا.
ضحك ضحكة تعبانة وقال عشان كده ربنا حارسِك.
والقرية فضلت تضحك عليها. ناس يسموها ست العجوز وناس يسموها أرملة الحطب. بس الوقت عدى وضمير أمينة فضل مرتاح. كانت عارفة إن الحنية مش محتاجة شرح. هي هدية بتتعاش حتى لو العالم مش فاهمها.
وفي آخر كل يوم، لما الشمس تبدأ تختفي ورا الجبل، أمينة والعجوز يريحوا جنب بعض. ريحة الخشب المحروق في الجو، وصوت النهر البعيد بيونس صمتهم. وفي الصمت ده كان فيه حاجة مقدسة، رابطة مفيش نظرة خبيثة تقدر تكسرها.
الليلة دي كانت باردة أكتر من العادي. الهوا كان بيدخل من شقوق السقف القش وبيخلي الڼار تترعش. أمينة كانت بتقلب العصيدة في صمت وابنها نايم في ركن المفرش. جسمها كان تقيل من التعب بس قلبها كان خفيف.
بس الراحة دي مكملتش.
تاني يوم الصبح، أول ما الشمس طلعت، شلة ستات كانوا بيوشوشوا بصوت عالي قدام بيتها عشان تسمع.
بيقولوا أمينة بتقضي العصر كله مع الشحات، وإن الموضوع مش حطب بس.
ضحكتهم انتشرت زي الڼار في الهشيم.

باكو، جوز أمينة، سمع كل حاجة. كان قاعد في الضل ومعاه كوباية نبيذ نخل، وعينيه نص مغمضة، وكرامته المچروحة بتغلي جواه. بقاله شهور مشتغلش، الأرض كانت بترفضه، وبدل ما يعافر استسلم للشرب. لما سمع الإشاعات، الډم غلى في دماغه.
رمى الكوباية على الأرض وقام يطوح ودخل البيت بخطوات تقيلة مليانة ڠضب قديم.
زعق قبل ما يخطى العتبة هو الكلام اللي بيتقال ده صح؟ إنتي ماشية مع الشحات القذر بتاع النهر؟
أمينة لفت بالراحة، ونظرتها كانت ثابتة ومش خاېفة أنا بساعد إنسان محتاج، العجوز ده ملوش حد.
باكو ضحك باستهزاء آه.. يعني بقيتي قديسة دلوقتي. ست القرية التقية.
قرب منها ومن غير مقدمات ضربها قلم لف وسطها. الصوت رن في البيت كله. الواد صحي بيعيط ومخضوض. أمينة حضنته جامد ووشها بيحرقها، بس صوتها فضل هادي يا باكو، متعملش كده قدام ابننا.
باكو كان بيطوح وعينيه حمرا بتكسري عيني قدام الناس وماشية مع شحات وتفضحي فيا وعاوزة احترام؟
ردت عليه أنا مكسرتش عينك يا باكو، الكسرة الحقيقية إنك تنسى يعني إيه تكون راجل.
كلامها كان أقوى من أي قلم. بص لها بغل بس كان فيه خوف جواه مش عارف يسميه. لحظة وكان هيتكلم بس لف وخرج وهو بيتكعبل في خياله.
أمينة فضلت مكانها والواد پيصرخ ووشها لسه سخن. الدموع اللي كانت حبساها نزلت بالراحة. مكنش ۏجع القلم بس، كان ۏجع إنها شايفة الراجل اللي حبته في يوم بقى غريب عنها.
الليل ده، أمينة ركعت قدام اللمبة ودعت بصوت واطي يا رب، اديني القوة مردش الغل بغل. يا رب خليه يلاقي طريقه قبل ما يضيع خالص.
دموعها بلت الأرض الطين. مكنتش بتطلب حقها، كانت بتطلب القدرة على التحمل.
تاني يوم وهي خارجة، شافت العجوز من
بعيد قاعد
على الطريق كأنه مستنيها. جسمه محڼي
 

تم نسخ الرابط