ساعدت راجل عجوز
ساعدت راجل عجوز بېموت وهو شايل حطب، ومكنتش تتخيل أبدًا إنه صاحب أراضي القرية كلها. كان وقت نهاية الحصاد، والشمس حاړقة الأرض السمرا. أمينة، الأرملة اللي شايلة شيلة تقيلة من الفقر ومسؤولية طفلها، شافت حاجة القرية كلها اختارت تغمض عينيها عنها راجل عجوز نحيف وجسمه بيترعش تحت حزمة حطب أكبر منه بكتير.
في الوقت اللي كان فيه الرجالة بيضحكوا وبيقولوا سيبوه ېموت في الطريق، أمينة أخدت قرار كسر تريقتهم دي. مكنتش تعرف وقتها إنها وهي بترفع حزمة الحطب دي، مكنتش بس بتساعد غريب.. دي كانت بتشيل قدرها بإيديها. لأن الراجل ده مكنش شحات، والمكافأة على العمل الطيب ده هتغير حياة أمينة للأبد.
تاني يوم الصبح، وقبل ما الشمس تنشف الندى، خرجت أمينة من بيتها وشايلة على كتفها نفس مقطف القش اللي بتستعمله كل يوم. ابنها الصغير، اللي الفضول واكله، كان ماشي جنبها وبيسألها يا ماما، امتى هناكل عيش طازه تاني؟ أمينة اكتفت بابتسامة من غير رد. صورة وش الراجل العجوز مكنتش بتفارق خيالها، كأن فيه حاجة في ملامحه التعبانة لزقت في تفكيرها.
ولما لفت من ناصية الطريق الترابي، شافت نفس الجيران قاعدين ساندين على الصخر وبيضحكوا بصوت عالي كعادتهم. ناس موراهمش حاجة غير الكلام على غيرهم. واحدة منهم اسمها تونا، أكبر فتانة في البلد، شاورت وقالت بصوا هناك.. ست الحطب اهي، رايحة تدور على الراجل بتاعها تاني.
الباقيين قعدوا يسقفوا ويضحكوا، وكأنهم اكتشفوا كنز. أمينة عملت نفسها مش سامعة، رغم إن الډم كان بيغلي في عروقها. كملت مشيها وراسها مرفوعة، وهي عارفة إن الجدال مع الناس دي ضياع وقت، واللي عايش عشان يذل غيره بېموت وهو مش مرتاح.
افتكرت كلام أمها
قدام شوية، لقت العجوز تاني. كان بيحاول يربط حزمة حطب جديدة، وصوابعه كانت ناشفة وميبسة زي الجذور. من غير ما تستناه يطلب، أمينة قربت وأخدت حبل القش وبدأت تربط الخشب عود عود.
الراجل العجوز بص لها ولأول مرة ابتسم وقال بنهجان إنتي تاني؟ مفيش حد غيرك رضي يساعدني.
أمينة ردت ببساطة ربنا اداني النهاردة صحة تكفي اتنين.
وهما شغالين، الشمس عليت وحړقت الأرض. رجالة القرية كانوا بيعدوا ويرموا إفيهات ويضحكوا على المنظر. قالوا الست دي اټجننت، مش لاقية تاكل ورايحة تساعد شحات!
أمينة شدت العقدة على الحبل وأخدت نفس عميق. بلعت الإهانة زي اللي بيبلع زلط. دموعها كانت هتخونها، بس حبستها في عينيها؛ مكنتش عاوزة ټعيط قدام ناس متعرفش يعني إيه رحمة.
لما خلصوا، العجوز حاول يشيل الحزمة لوحده وكان هيقع، فجرت عليه أمينة وسندت الحمل على كتفها وشالت معاه. مشيوا جنب بعض، بيتعثروا في التراب، لحد ضفة النهر. هناك، ضل الشجر كان خفيف والنسمة شايلة ريحة الشجر الناشف.
العجوز قعد بتعب على الشط وبص لصورته في المية وقال بصوت واطي بقالى كتير محدش قالي يا بابا.
أمينة، وهي مش عارفة تقول إيه، طلعت قلة المية اللي كانت جايباها لابنها وادتها له اشرب يا حاج، مية قليلة بس نضيفة.
شرب بالراحة وكأنه بيدوق طعم الحنية. همس لها مفروض متمشيش معايا يا بنتي، القرية كلامها مبيخلصش.
أمينة هزت كتافها وقالت لو كنت سيبت كلام الناس يمشي حياتي، كان ابني ماټ من الجوع من زمان.
سكتوا لحظة، ومكنش فيه صوت غير خرير المية بين
خسرته؛ جوزها اللي ماټ، الليالي البرد اللي من غير غطا، والخۏف من بكرة. ومع ذلك، كانت واقفة بتساعد إنسان تاني لأنها مؤمنة إن الخير مش تجارة.. الخير ده جدر في الأرض.
العجوز كان بيراقبها من ورا تجاعيد وشه، وعينيه كان فيها لمعة أمينة مخدتش بالها منها. قال لنفسه أكتر ما بيقولها إنتي عندك قلب مبيعرفش يقسى.
ابتسمت وهي بتتحرك عشان تمشي قلبي هو اللي فاضلي يا حاج، الدنيا أخدت كل حاجة تانية.
وهي ماشية، كانت شلة الفتانين لسه واقفة بتضحك وتتمنى تقع عشان يتفرجوا عليها. بس العجوز، وهو باصص لها من بعيد، هز راسه وتمتم بيضحكوا على اللي مش فاهمينه، واللي مش فاهمينه، القدر هيعلمهولهم بأصعب طريقة.
أمينة رجعت البيت ورجليها كلها تراب وجسمها مهدود، بس روحها كانت مرتاحة. كانت عارفة من جواها إن ضحكهم ده هو الجهل بعينه، وإن سكوتها أغلى من ألف رد.
بالليل، بعد ما ابنها نام، قعدت على عتبة الباب تتفرج على نور القمر وهو بېلمس الشجر. فكرت في إزاي الدنيا بتبقى صغيرة لما الواحد يعيش بس عشان يحكم على غيره. وبعدين همست بدعاء بسيط زي ما أمها كانت بتعمل
يا رب، اديني القوة أكمل من غير غل، واديني الإيمان إني أفضل أساعد حتى وهما بيضحكوا عليا.
على الناحية التانية من الغيطان، العجوز كان هو كمان باصص للقمر وبنفس اللمعة في عينيه. مكنش حد لسه يعرف، بس في اللحظة دي، قصصهم بدأت تتشربك في بعض بطريقة هتغير القرية كلها.
اليوم طلع والجو كان مغيم، والقرية كانت أهدى من العادي. ريحة الخشب المبلول في كل حتة. أمينة خرجت بدري وشايلة ابنها كوفي على ضهرها، مربوط بحتة قماش قديمة بهت لونها. مشيت لنفس
لقته هناك، قاعد على صخرة ونهجان، جسمه مهدود من التعب. أمينة قربت بالراحة، العجوز رفع عينيه وابتسم ابتسامة ضعيفة بس حقيقية، طالعة من القلب.
سألها بصوت واطي بالعافية مسموع جيتي تاني يا بنتي؟
ردت وهي بتحط المقطف بتاعها على الأرض مش مفروض تشيل الحطب لوحدك، النهاردة الشيلة عليا أنا كمان.
حاول يعترض بس هي كانت خلاص بترتب الخشب على كتفها. قسمت الحزمة لجزئين، ووازنتهم بأحسن طريقة تقدر عليها. العجوز كان بيراقبها في صمت، ونظرته كان فيها حنية وغرابة.
الطريق لحد النهر كان هادي، وصوت العصافير كان بيختلط بصوت تزييق الخشب. أمينة كانت بتعرق بس ماشية بخطوات ثابتة. لما وصلوا للشط، العجوز قعد بالراحة، وطلع من جيبه حتة عيش ناشفة ملفوفة في قماشة قديمة.
قالها وهو بيمد إيده بالعيش وصوابعه بتترعش ده كل اللي حيلتي.. اقسميه مع الواد، هو محتاجه أكتر مني.
أمينة بصت للعيش وبصت له، الحركة كانت بسيطة بس فيها عزة نفس كبيرة. ده القليل اللي عند راجل معندوش حاجة، ومع ذلك بيقدمه. ابتسمت ورجعت له العيش خلي عيشك معاك يا حاج، ربنا هيرزقنا إحنا التنين.
الراجل اتسمر مكانه لحظة، وعينيه دمعت، وحاول يتكلم بس الكلام هرب منه. تمتم بس وقال يوم من الأيام، العالم كله هيعرف إنتي مين بجد.
أمينة وطت عينيها بكسوف ومكنتش عارفة ترد تقول إيه. قعدت جنبه تتفرج على النهر وهو ماشي. وقالت له أنا مش عاوزة حد يعرفني، أنا بس عاوزة أرتاح. الدنيا أخدت مني كتير، بس لسه مخلياني قادرة أختار يا إما قلبي ينشف يا إما يفضل يحس.. وأنا اخترت إنه
العجوز سمعها في صمت.
الست دي،