ثلاث سنوات اهرب من المتاعب
الليلة.
كنت أسمع الخارج.
أبحث عن أي صوت يدل على أنهم عادوا.
وأتخيل مارينا تركض في الجدول
وأتخيل تينتو يقودها كأنه يعرف الطريق منذ ولادته.
مع الفجر ذهبت إلى الكنيسة.
كان الأب ينتظر عند الباب كأنه يعلم.
بعض الرجال في القرى يعرفون الأخبار قبل أن تصل.
أنت الذي أخرجتها من الجبل
لم أجب.
في الحقيقة كنت أخاف الإجابة.
لأن الإجابة تعني أن كل ما فعلته صار حقيقة نهائية لا رجعة فيها.
هل هي حية سألت.
شعرت أن كلمة لا إن قيلت ستكسر شيئا في داخلي إلى الأبد.
شيئا حاولت حمايته ثلاث سنوات بأن أكون ظلا.
ابتسم الأب ببطء.
حية. هي والطفل. والشرطة
خذلتني ساقاي.
لا من ضعف.
بل من ارتياح.
ذلك النوع من الارتياح الذي يجعل الجسد ينهار لأنه لم يعد مضطرا أن يقاوم.
أخذني إلى بيت الرعية.
كانت مارينا جالسة قرب نافذة.
تبدو أصغر من عمرها.
لكن عينيها تحملان عمرا كاملا من الرعب.
دييغو نائم على صدرها بسلام.
ولأول مرة رأيت الرضيع لا يبكي.
كأنه يصدق أن العالم ليس كله فخاخا.
حين رأتني نهضت كأنني من أهلها.
ثم سمعت خدشا خفيفا على الأرض.
تينتو.
كان مستلقيا على بطانية قديمة.
عيناه نصف مفتوحتين.
وحين رآني حرك ذيله قليلا كأنه يقول
هناك بكيت.
لا خوفا.
ولا ألما.
ولا من أجل النار.
بل من أجل تيريسا.
ومن أجل الطفل الذي لم يتنفس.
ومن أجل السنوات التي اخترت فيها ألا أشعر كي لا أنهار.
اقتربت مارينا.
لا أعرف كيف أشكرك.
هززت رأسي.
لا تشكريني. فقط عيشي. دعي ابنك يكبر بلا خوف. هذا يكفي.
عرض علي الأب عملا في القرية ريثما أرتب أمر المزرعة.
ولم يقلها كصدقة بل كحل.
وبختني دونيا لوبيتا حين حاولت أن أدفع لها.
حين يفعل المرء الصواب قالت عليه أيضا أن يتعلم كيف يقبل العون. وإلا فما جدوى وجودنا
كلماتها كانت ثقيلة لكنها صحيحة.
تلك الليلة جلست في الساحة وتينتو عند قدمي
وفهمت أمرا احتجت ثلاث سنوات لأقبله
يمكن للمرء أن يتحول إلى ظل كي لا يتألم.
لكن الظلال لا تنقذ أحدا.
في ذلك المساء كان أمامي طريقان
أن أتابع المسير
أو أن أتوقف.
اخترت أن أتوقف.
اخترت أن أواجه الأفاعي والرجال الأسوأ من الأفاعي.
ومن دون أن أقصد حين أنقذت دييغو
أنقذت أيضا آخر ما كان حيا في داخلي.
فأحيانا لا يعيد الله إليك ما فقدته.
بل يرسل لك شيئا مختلفا
ليختبر إن كنت هذه المرة ستجرؤ على ألا تمر مرور الكرام.
ولأنني تجرأت
عاد داخلي شيء ظننته مات مع تيريسا
الإحساس بأن للحياة معنى
وأن الإنسان
حين يختار أن يفعل الصواب ولو كان ثمنه النار.