ثلاث سنوات اهرب من المتاعب

لمحة نيوز


بعظامها ترتجف تحت يدي كما لو كانت قطعة خشب مبتلة.
تعثرت ثانية.
وكاد الرضيع يفلت من بين ذراعيها.
مددت يدي تلقائيا والتقطته قبل أن يمس الأرض.
كان دييغو دافئا.
صغيرا إلى درجة تخيفني.
يتنفس بسرعة كأن جسده لا يثق بأن الهواء سيبقى في العالم طويلا.
كان صغيرا أكثر مما يحتمل كل ذلك الحقد.
وأنا أعرف الحقد
لقد رأيته في وجوه رجال يبتسمون وهم يقررون مصير غيرهم.
وصلنا إلى الكوخ.
دفعت الباب.
صر صريرا حادا كأنه يصرخ لماذا عدتم
أمسكته بسرعة وهدأته بيدي ثم دخلنا.
في الداخل رائحة رطوبة قديمة
رائحة زمن لم يأت أحد لينهيه.
رائحة جدران تتذكر ما مر عليها وأرض لم تطأها قدم منذ زمن.
استريحي قلت.
لم يكن في صوتي حنان كبير.
كان حذرا.
فالحنان في مثل هذه الليالي قد يتحول إلى غفلة.
أنا لم أجلس.
بقيت عند المدخل والسكين في يدي.
لا سلاح لدي سوى تلك النصل الصغيرة
وسوى تينتو.
كان تينتو إلى جواري من دون أن يغلق عينيه.
لم يكن ينبح.
كان يسمع.
كانت أذناه تتحركان مع كل ذبذبة في الهواء كأنه يقرأ الليل.
لم يكن الجبل صامتا.
كان ينتظر.
وكنت أعرف هذا النوع من الصمت
الصمت الذي يسبق الكارثة.
لم أنم.
كنت أسمع أنفاس مارينا وهي تحاول أن تخفي ارتجافها كي لا يوقظ دييغو.
وأسمع خفقان قلبي مثل مطرقة تضرب باب صدري.
وأسمع شيئا آخر
شيئا بعيدا غير واضح مثل زمجرة تختبر نفسها قبل أن تصبح صرخة.
عند

الفجر مزقت أصوات المحركات الهواء.
هذه المرة لم تكن شاحنة واحدة.
كانت عدة سيارات.
صوتها لم يكن مثل صوت أي مركبة تمر في الطريق صدفة.
كان صوتا يبحث.
صوتا يعرف أنه قريب من الهدف.
وقف تينتو دون نباح فقط شد جسده.
ثبتت أظافره في الأرض كأنه يقول جاءوا.
وجدونا همست مارينا.
كانت همستها مثل سكين صغيرة في ظهري.
في تلك اللحظة أدركت أمرا واضحا
لم يأتوا من أجل الطفل.
جاؤوا من أجلي.
لأنني كسرت خطتهم.
لأنني قلت لا حيث أرادوا الجميع أن يصمتوا.
ولأن من يفعل ذلك في عالمهم يجب أن يدفع الثمن.
من الخارج اخترق صوت إفراين جدران الطين.
روخيليو!
لا تتدخل فيما لا يعنيك.
قالها بهدوء يكاد يكون لطيفا.
وهذا ما جعلها أكثر رعبا.
ذلك النوع من الرجال لا يرفع صوته حين يثق أنه سيكسب.
لا يشتم حين يضمن النهاية.
يتكلم كما لو أنه يقرأ فاتورة
وأنت البند فيها.
نظرت إلى الحطب الجاف في الزاوية.
إلى السقف الهش.
إلى مارينا و دييغو وعيناها لا تطرفان.
في لحظة كهذه لا تفكر في البطولة.
تفكر في الطريق الأسرع للنجاة.
لست فخورا بما فعلت.
لكن هناك لحظات يتوقف فيها المرء عن سؤال نفسه هل هذا صحيح
ويبدأ بسؤال هل هذا ضروري
كدست الحطب عند الجدار الأمامي.
لم يكن كثيرا لكنه كان كافيا.
كافيا ليخلق فوضى وكافيا ليجعلهم ينسون للحظة أنهم يبحثون عني.
أشعلته.
ارتفع اللهب سريعا جائعا كأنه كان ينتظر شرارة
واحدة ليبتلع كل شيء.
أضاء الكوخ من الداخل وأظهر التشققات في الجدار كأنها ندوب في وجه قديم.
في الخارج تعالت الصرخات.
إنه يحترق!
سمعت خطوات تركض نحو الباب.
أصواتا تتداخل.
أوامر قصيرة.
شتائم مكتومة.
ركلت الجزء الخلفي من الجدار وفتحت ممرا.
لم يكن الممر جميلا.
كان ثقبا قاسيا في طين هش.
لكنه كان بابا للحياة.
اركضي نحو الجدول قلت لمارينا اتبعيه دون أن تخرجي من مجراه حتى تري مزرعة بسياج أبيض. لا تلتفتي.
نظرت إلي مارينا.
شفاهها ارتجفت.
سيقتلونك
نظرت إليها بثبات.
لم أقل شيئا يشبه الشجاعة.
قلت الحقيقة
إن لحقوا بي تنجين أنت.
لم يكن وقت لوداع طويل.
وداع طويل يعني ترددا والتردد يعني موتا.
تردد تينتو لحظة بيني وبينها.
أحسست بذلك التردد في عينيه.
اذهب أمرته.
فأطاع.
وذلك آلمني أكثر من النار.
لأن تينتو لم يكن مجرد كلب.
كان الشيء الوحيد الذي بقي معي حين فقدت كل شيء.
كان رفيق السنوات القاسية.
وحين أرسلته معها كنت كأنني أرسل جزءا من نفسي.
خرجت من الأمام والنيران تلتهم الباب.
الدخان دخل صدري مثل حجر ساخن.
سعلت حتى كاد رأسي ينفجر.
ثم صرخت
أنا هنا!
طلقتان.
ثم طلقات.
تناثرت الأرض عند قدمي.
رأيت التراب يتفجر كأنه يغلي.
وشعرت برصاصة تخدش ذراعي كأن أحدا مرر سكينا حارة على جلدي.
ركضت كما لم أركض منذ دفنت تيريسا.
ركضت لا لأنني شجاع بل لأنني لا أملك خيارا آخر.
تدحرجت
في منحدر صخري.
انفلق جبيني بحجر.
صار العالم أحمر وغبارا ورأسي يدور كأنه فقد اتجاهاته.
سمعت صوت إفراين فوقي.
لن يذهب بعيدا. إنه مصاب.
لم يصرخ.
لم يشتم.
فقط قالها.
وذلك جعله أشد خطرا.
لأن الكلمات الهادئة حين تأتي من فم قاتل
تكون مثل حكم مسبق.
زحفت نحو صخور قرب الجدول وبقيت ساكنا.
الدم ينزل على وجهي.
وعيناي تحترقان.
وقلبي يضرب كأنه يريد الهرب وحده.
كنت أسمع خطواتهم أحيانا
ثم تتلاشى
ثم تعود
كأنهم يضيقون الدائرة حولي شيئا فشيئا.
لا أدري كم مضى من الوقت.
ثم عاد الجبل إلى صمته.
لكن هذه المرة
كان الصمت علامة نجاة مؤقتة لا أمانا.
حين تجرأت على الحركة تبعت الجدول مترنحا.
كانت قدماي ثقيلتين كأنهما من حجر.
وكل خطوة كانت مقامرة
خطوة قد تنقذك أو تسلمك لهم.
حتى رأيت دخان مطبخ يرتفع.
بيت صغير.
بابه مفتوح قليلا.
وشجرة ليمون أمامه.
ووعاء ماء قرب العتبة.
خرجت امرأة مسنة تحمل مسدسا بثبات.
لم تكن ترتجف.
كأنها عاشت ما يكفي لتعرف أن الخوف وحده لا يحمي أحدا.
من أنت
حاولت أن أقول جملة كاملة لكن الهواء خانني.
روخيليو قلت قبل أن أسقط على ركبتي أحتاج إلى مساعدة.
ثبتت نظرها في طويلا.
كانت عينان حادتان لكن فيهما رحمة لا تقال بسهولة.
ادخل. أنا دونيا لوبيتا. وإن أرادوك ميتا فقد أخطأوا.
أدخلتني.
أغلقت الباب.
ووضعت المسدس على الطاولة كأنه كوب شاي.
نظفت جراحي.
خاطتها دون
أن ترتجف.
وأعطتني قهوة سوداء قوية.
كانت القهوة تلسع حلقي لكنها أعادتني إلى جسدي.
أعادتني إلى الواقع.
في القرية الأب توماس قالت إن وصلت الفتاة فسيعلم.
لم أنم تلك
 

تم نسخ الرابط