نسي ابني
لكل واحد منهم نسخة من السند الذي يثبت أن البيت باسمها منذ خمس سنوات ورسالة قصيرة آرثر كان يعرف ما يفعل. وأنا أثق بحكمه.
فتوقف الأقارب عن الاتصال.
بعد ثلاثة أشهر من تلك المواجهة اتخذت مارثا قرارا. كان البيت كبيرا جدا على شخص واحد ومليئا بالذكريات الجميلة والمؤلمة. لكنها لم تكن ستبيعهكان ذلك سيشبه انتصار كيفن كأنها خرجت منه بسبب ما فعل.
بدلا من ذلك حولت الطابق العلوي إلى شقة للإيجار. أعلنت عنها بوصفها سكنا ميسرا لطلاب الدراسات العليا أو المهنيين الشباب. دققت في طلبات المستأجرين بعناية تبحث عن أناس يذكرونها بالابن الذي كانت تتمنى أن يكونه كيفنمجتهدين محترمين ممتنين للفرصة.
استأجرت الشقة شابة اسمها إلينا طالبة تمريض تعمل ليلا في المستشفى وتكمل دراستها. كانت في الرابعة والعشرين من أسرة مهاجرة وتعمل بجد يفوق ما رأت مارثا في حياتها.
ذكرت إلينا مارثا بنفسها في ذلك العمرعزيمة امتنان استعداد للتضحية من أجل المستقبل. عكس ما كان عليه كيفن تماما.
وجود إلينا في البيت غير كل شيء. صوت خطوات في الأعلى ورائحة قهوة أحيانا صباحا وتحية لطيفة وهي تخرج إلى نوباتهاكل ذلك جعل البيت يبدو حيا من جديد.
وبدون أن يطلب منها بدأت إلينا تساعد مارثا في أمور صغيرة تحمل أكياس البقالة إلى الداخل تزيل الثلج من الممر تغير المصابيح التي لا تصل إليها مارثا.
قالت لها مارثا
لا عليك أن تفعلي هذا. هذا ليس ضمن اتفاقنا.
ابتسمت إلينا
أعرف. لكنك منحتني فرصة عندما كنت بحاجة ماسة. المالك السابق رفع الإيجار حتى لم أعد أستطيع دفعه. كنت سأضطر لترك الدراسة والعودة. أنت أنقذتني.
اضطرت مارثا أن تدير وجهها لتخفي دموعها. هذه الغريبة أظهرت لها من اللطف أكثر مما أظهره ابنها يوما.
ومن خلال أحاديث الجيران عرفت مارثا شيئا من حال كيفن. خلال أسبوع واحد تركته جيسيكا بعد أن ضاعت الوعود. انتقل إلى شقة صغيرة في حي أقل جودة. حاول أن يجد عملا لكن تاريخه الوظيفي المتقطع جعله صعبا.
اقترح بعض معارف مارثا أن تساعده وأنه مهما فعل فهو ابنها وأن آرثر ربما كان يريد منها الرحمة.
فكرت مارثا في الأمر بجدية هل كان آرثر يريد منها أن تساعد كيفن
تذكرت رسالته عليك أن تكسب طريقك بنفسك.
لا. لم يكن آرثر يريد منها أن تنقذ كيفن مرة أخرى. أراد له أن يتعلم أخيرا معنى المسؤولية.
لكن مارثا لم تكن بلا قلب تماما. طلبت من روبرت هندرسون أن ينشئ صندوقا ائتمانيا صغيراعشرين ألف دولاريصبح متاحا لكيفن بشروط واضحة أن يحافظ على عمل ثابت
قالت لهندرسون
سيكون المال هناك إن استحقه. لكن عليه أن يستحقه فعلا. بلا طرق مختصرة. بلا أعذار.
ابتسم هندرسون وقال
آرثر سيوافق.
قالت مارثا
أعرف. لهذا أفعلها بهذه الطريقة.
وأوصته ألا يخبر كيفن بالصندوق. إن تغير فليكن لأنه أراد التغيير لا لأن المال ينتظره.
بعد عام واحد من تلك المواجهة كانت مارثا في الحديقة تزرع الورود التي كانت تحاول زرعها يوم أصابتها النوبة. كانت شمس الربيع دافئة على وجهها وكانت إلينا تساعدها بحماس من لم يملك حديقة من قبل.
كانت إلينا تضحك وهي تحكي
لو رأيت وجهه! حاول أن يعلمني كيف أركب إبرة الوريد فقلت له يا سيدي فعلت هذا ثمانمئة مرة. أنت الذي تتعلم!
ضحكت مارثا من قلبها. كانت قصص إلينا عن التدريب في المستشفى دائما ممتعة.
رن جرس الباب. قفزت إلينا
سأفتح! أنت ابقي هنا.
عادت بعد لحظات وملامح التردد على وجهها
مارثا هناك شخص يريد مقابلتك. يقول إنه ابنك.
انقبض قلب مارثا. نهضت ببطء ومسحت التراب عن قفازيها.
كان كيفن واقفا على الشرفة الأمامية لكنه بدا مختلفا. أنحف. أكبر سنا. ثيابه نظيفة لكنها باليةملابس عادية لا علامات فاخرة. كان يحمل باقة صغيرة من زهور رخيصة من متجر بقالة.
تبادلا النظر طويلا دون كلام.
قال كيفن أخيرا بصوت منخفض
أمي هل يمكنني أن أتحدث معك
نظرت مارثا إلى إلينا التي كانت تراقب من باب البيت بعين حذرة كأنها تحمي مارثا. قالت مارثا
لا بأس يا عزيزتي. اذهبي وذاكري لاختبارك.
هزت إلينا رأسها لكنها ضغطت على كتف مارثا وهي تمرعرض صامت للدعم.
لم تدخل مارثا كيفن إلى البيت. بل أشارت إلى المقعد الذي صنعه آرثرالمقعد نفسه الذي جلست عليه يوم انتظرت وصول هندرسون.
جلسا في صمت لحظة. بدا كيفن كأنه يصارع الكلمات.
قال أخيرا
حصلت على وظيفة. ليست شيئا كبيرا. أدير قسم الشحن في شركة جملة. لكني هناك منذ أحد عشر شهرا. قال المدير إنني إن أكملت سنة قد تكون هناك ترقية.
لم تقل مارثا شيئا وانتظرت.
تابع كيفن
جيسيكا تزوجت. من رجل يعمل في التمويل. رأيت الإعلان على فيسبوك. اشتروا بيتا في بلفيو. البيت الذي كنت أظن دائما أنني أستحقه.
ضحك ضحكة جوفاء وأضاف
الغريب أنني عندما رأيته لم أشعر بالغيرة. شعرت بالارتياح كأنني نجوت. هي لم تحبني. أحبت ما ظنت أنني سأمنحه لها.
قالت مارثا بهدوء
لقد حاولت أن تمنحها بيتي.
ارتجف وجه كيفن
أعرف. أمي قضيت السنة الماضية أفكر في ما فعلته. في ما كنت عليه. وأنا أشعر
قالت مارثا
يجب أن تخجل.
قال كيفن
أنا أفعل. قرأت رسالة أبي مرارا. في البداية غضبت. ظننت أنه خانني. ثم بدأت أقرأها حقا عليك أن تكسب طريقك بنفسك في هذه الدنيا. لم أكن فعلت ذلك يوما. كل شيء كان يأتيني من غيري. ولم أقدر شيئا.
ثم نظر إليها مباشرة
لا أتوقع أن تسامحيني. لا أتوقع منك شيئا بعد الآن. أردت فقط أن تعرفي أن رسالة أبي ذلك الدرس الأخير نجح. استغرق الأمر سنة من العيش في شقة صغيرة وأكل المعكرونة الرخيصة وأن تسحب سيارتي بسبب العجز لكنني فهمت أخيرا العمل مهم. أن تكسب طريقك مهم. أن تكون مسؤولا مهم.
كانت الدموع تنزل على وجهه الآن. قال
وأنا آسف لأنني لم أفهم إلا بعد أن كدت أفقدك.
شعرت مارثا بدموع تمتلئ عينيها لكنها أبقت صوتها ثابتا
ماذا تريد يا كيفن
قال
لا أريد شيئا. لم آت لأطلب مالا ولا لأعتذر كي أعود إلى وصية أو ما شابه. جئت لأقول إنني أحاول أن أكون الابن الذي كان أبي يتمنى أن أكونه. حتى وهو ليس هنا ليرى.
قالت مارثا بهدوء
أنا أراه.
رفع كيفن عينيه بدهشة.
قالت مرة أخرى
أنا أراه. وأبوك كان سيفتخر بأنك أخيرا تعلمت الدرس. تأخرت لكنه ليس متأخرا تماما.
قال كيفن
لا أستحق لطفك.
قالت مارثا
نعم لا تستحقه. لكن هذا معنى الرحمة ليست مرتبطة بالاستحقاق.
أخذت مارثا الزهور من يدهقرنفلا رخيصا من متجر بقالة لا يشبه باقات الزهور الفاخرة التي كان يشتريها قديما بلا تفكير. لكنه كان أثمن من كل ما سبق لأنه اشتراه بمال كسبه بيده.
قالت مارثا
أنا لست مستعدة لإعادتك إلى حياتي الآن. لقد آذيتني كثيرا يا كيفن. والثقة تحتاج وقتا لتبنى من جديد.
قال كيفن
أفهم.
قالت مارثا
لكن إن واصلت هذا الطريقإن واصلت الحضور والعمل وتحمل المسؤوليةفربما يوما ما نستطيع أن نملك علاقة من جديد. علاقة حقيقية. لا علاقة أختلق فيها الأعذار لك وتستغل فيها حبي.
قال كيفن
أود ذلك أكثر من أي شيء.
جلسا في صمت قليلا. ثم نهض كيفن.
قال
يجب أن أذهب. لدي نوبة عمل بعد ساعة.
قالت مارثا
نوبة عمل يوم الأحد
قال
عمل إضافي.
أنا أدخر المال. الشقة التي أعيش فيها الآن وهز كتفيه. هي ما أستطيع تحمله. لكنني أعمل لأجل شيء أفضل. شيء أكسبه بنفسي.
وبينما بدأ ينزل في الممر نادته مارثا
كيفن
التفت.
قالت
هناك صندوق ائتماني. ثم تابعت أنا أنشأته. إذا واصلت العمل وإذا أكملت دورة في إدارة المال وإذا أثبت مسؤولية مستمرة فهناك عشرون ألف دولار بانتظارك. ليست ثروة. لكنها قد تكفي لتساعدك على دفعة أولى لبيت متواضع عندما تكون جاهزا.
تغيرت ملامح كيفن مرات وهو يستوعب الكلام
لا يجب عليك
قاطعته مارثا
لا يجب علي أن أفعل شيئا. لكن أباك كان يؤمن بالعواقب لا بالقسوة. أراد لك أن تتعلم الاعتماد على نفسك. لكن حين تتعلم هذا الدرس لم يكن يريد لك أن تبقى تتعثر للأبد.
همس كيفن
شكرا لك.
قالت مارثا
استحقه. ليس لأجل المال. استحقه لأنك تريد أن تكون هذا الشخص.
هز كيفن رأسه ومضى. شاهدته مارثا وهو يركب سيارة سيدان قديمةليست سيارة فاخرة كما كان سابقا بل سيارة مستعملة موثوقة لا بد أنه ادخر لها.
ظهرت إلينا بجانب مارثا وسألت
أهذا ابنك الذي أغلق الباب عليك
قالت مارثا
نعم.
سألت إلينا بقلق
هل أنت بخير
فكرت مارثا في السؤال. هل هي بخير قبل عام واحد مات زوجها. وخانها ابنها بصورة موجعة. وأصيبت بنوبة قلبية. ووصفت بأنها متطفلة وأغلقت الأبواب في وجهها.
لكنها نجت. بل أكثر من ذلك انتصرت. وضعت حدودا. رفضت أن تكون ضحية. والآن ربما يتغير ابنها أخيرا ليصبح الإنسان الذي كان ينبغي أن يكونه منذ زمن.
قالت مارثا
نعم أنا بخير.
في ذلك المساء جلست مارثا على كرسي آرثر الجلدي مع كوب من الشاي تنظر حولها في غرفة المعيشة. كانت إلينا في الأعلى وكانت مارثا تسمع صوت مذاكرتها الخافت. كان البيت دافئا مأهولا آمنا.
التقطت صورة آرثر من على الرف.
قالت للصورة
لقد جاء اليوم. ابننا جاء ليراني. وآرثر أظن أن رسالتك وصلت إليه أخيرا. أظنه يتعلم.
مررت إصبعها على ملامحه كما فعلت مئات المرات في السنة الماضية.
همست
لقد أنقذتني. ليس فقط من كيفن بل من نفسي. من حاجتي لأن أصلح كل شيء وأن أختلق الأعذار وأن أغطي الحقائق. منحتني الإذن أن أتوقع الأفضل. وأن أطالب بالأفضل.
كان البيت يستقر حولها بأصواته المألوفة من خشخشة وخطوات قديمة. أربعون عاما من الذكريات تعيش في هذه الجدرانأعياد ميلاد وأعياد شجار وضحك مرض وعافية.
قالت مارثا للصورة
شكرا لك. شكرا لأنك رأيت ما لم أره. شكرا لأنك أحببتني بما يكفي لتحميني من نقاط ضعفي. شكرا لأنك علمتني أن الحب أحيانا يعني أن تقول لا.
أعادت الصورة إلى مكانها ونظرت إلى بيتهاالبيت الذي ضمن آرثر أنه سيبقى لها دائما البيت الذي لم يبنه بخشب ومسامير فقط بل ببصيرة وحب.
قالت بصوت خافت
هذا ليس مجرد بيت. إنه الحصن الذي بنيته حولي. وأعدك يا آرثر أنني لن أعتذر يوما عن ثباتي داخله.
في الخارج بدأ مطر الربيع يهطل لطيفا كأنه يغسل ما كان. وفي الداخل كانت مارثا دافئة وآمنة ومكتملة.
ظل البيت الذي بناه الحب ثابتا كما أراده آرثر.
ومارثا