نسي ابني

لمحة نيوز

تسمع هذه الرسالة فهذا يعني أنك فعلت بالضبط ما كنت أخشاه. يعني أنك حاولت أن تقصي أمك عن بيتها. يعني أن موتي لم يكن لديك لحظة حزن بل لحظة فرصة.
أنا أحبك يا بني لكني لست أعمى. راقبتك سنوات. رأيت جشعك وكسلك وشعورك بالاستحقاق. وكنت أعلم أنك ما إن أغيب حتى تحاول أخذ ما لم تتعب لأجله.
لذلك كان آخر ما فعلته كأب ليس أن أترك لك مالا بل أن أترك لأمك حماية. نقلت كل شيء إلى اسمها منذ سنوات كي أضمن أنك لن تمسه أبدا. هذا البيت ملك لمارثا. المال ملك لمارثا. أنت لا تملك شيئا. وأرجو أن يعلمك هذا الدرس الأخير ما لم أستطع أن أزرعه فيك عليك أن تكسب طريقك بنفسك في هذه الدنيا.
كان الصمت الذي تلا القراءة صمتا هائلا. ظلت الكلمات معلقة في الهواء كحكم أخير من رجل لم يعد قادرا على الكلام لكن إرادته بقيت مطلقة.
وقف كيفن مشلولا. كانت الورقة ترتجف في يديه. قصة أبي تركه ليالأساس الذي بنى عليه غرورهانهارت. لم يكن وريثا كان خيبة أمل.
التفتت جيسيكا نحوه في لحظة وقد أدركت أن المال قد تبخر فانقلبت عليه فورا
قلت إنه لك! قلت إننا أصبحنا آمنين!
نظرت مارثا إلى ابنها. لم تعد ترى وحشا. رأت رجلا صغيرا مكسورا فشل في الاختبار الوحيد الذي كان مهما.
قالت مارثا بصوت يرتجف بدموع رفضت أن تتركها تسقط
كنت أتمنى أن يكون مخطئا. كل يوم طوال خمس سنوات كنت أدعو أنه حين يموت ستتحمل مسؤوليتك. أنك ستعتني بي. وأن هذه الرسالة لن تقرأ أبدا.
ثم نظرت إلى الورقة التي ألصقها كيفن على الباب وكانت ما تزال في يدها
لا مكان للمتطفلين.
وقالت مارثا وقد قسا وجهها
لكنه كان محقا.
ثم التفتت إلى الشرطيين
أيها الضباط هذان الشخصان ليسا من السكان. لقد اقتحما بيتي وغيرا الأقفال دون إذني.
ثم
نظرت إلى كيفن وقالت
لست امرأة قاسية يا كيفن. لن أرفع دعوى اقتحام وكسر ودخول بشرط أن تغادروا الآن.
ثم تابعت
تملكون ثلاثين دقيقة لتأخذوا أغراضكم الشخصية من بيتي. إن لم تكونوا خارجين حينها سيقبض عليكم الضباط بتهمة التعدي. وكيفن
رفع رأسه والدموع في عينيه دموع شفقة على الذات.
قالت مارثا
اترك زجاجة الشراب. كانت لأبيك. ولم تكسبها أنت كذلك.
كانت الدقائق الثلاثون التالية خليطا من فوضى وحرج. تحت أنظار الشرطة حشر كيفن وجيسيكا ملابسهم في أكياس قمامة. لم يتكلما. جولة النصر تحولت إلى مسيرة خزي.
حاول كيفن أن يقول شيئا عند البابربما رجاء ربما اعتذارالكن مارثا أغلقت باب البلوط الثقيل في وجهه.
كان صوت انطباق المزلاج أعلى صوت في العالم.
جمع السيد هندرسون حقيبته وقال
فعلت الصواب يا مارثا. كان آرثر سيفتخر بك.
قالت
شكرا لك يا روبرت. شكرا لأنك حفظت السر.
غادر المحامي. وغادر الشرطيون.
وبقيت مارثا وحدها.
كان البيت صامتا. بدأت رائحة عطر كيفن الرخيص وتوتر المواجهة تتلاشى لتعود رائحة الخشب القديم والذكريات المألوفة.
سارت مارثا إلى رف المدفأة. تناولت صورة آرثر المؤطرة. كان يبتسم بتلك الابتسامة العارفة نصف ابتسامة التي كان يبتسمها حين يحل مشكلة قبل أن تبدأ.
مررت إبهامها على ملامحه.
همست
أيها العجوز العنيد لقد أنقذتني. لم تترك لي ثروة لأنفقها. بل تركت لي قوة أن أقول لا.
لكنها وهي واقفة في ذلك الصمت بدأت الذكريات تتدفقذكريات تشرح كيف وصلوا إلى هذه اللحظة وكيف عرف آرثر قبل خمس سنوات ما الذي سيؤول إليه كيفن.
بدأ الأمر على نحو خفي حتى إن مارثا لم تنتبه إليه في البداية. كان كيفن طفلهم المعجزة ولد بعد سنوات من المحاولة وبعد أن قال الأطباء إن الإنجاب
قد لا يكون ممكنا. صبا فيه كل شيء الحب والاهتمام والفرص.
لكن في مكان ما على الطريق تحول الحب إلى شعور بالاستحقاق.
تذكرت مارثا أول مرة رأت الأمر بوضوح. كان كيفن في السادسة عشرة وكان آرثر قد اشترى له سيارة هونداولية مستعملة بمناسبة عيد ميلادهسيارة جيدة معتنى بها موثوقة.
نظر كيفن إليها باحتقار لم ينجح في إخفائه
الجميع في المدرسة يقودون سيارات جديدة. هذا محرج.
تصلب وجه آرثر وقال بهدوء
إذن يمكنك أن تركب الحافلة.
ثار كيفن ثلاثة أيام. حاولت مارثا أن تتوسط وأن تشرح لآرثر أن المراهقين هكذا وأنه سيتجاوز ذلك.
قال آرثر
لن يتجاوز ذلك إذا ظللنا نختلق الأعذار له.
لكن مارثا أصرت. أقنعت آرثر أن يدع كيفن يحتفظ بالسيارة. لطفت الموضوع كما اعتادت دائما.
كان ذلك هو النمط لسنوات. كان آرثر يحاول أن يعلم كيفن المسؤولية وكانت مارثا تلين الدرس وتخفف السقوط وتجعل الأمر أسهل. كانت تظن أنها أم صالحة. ولم تدرك أنها تصنع وحشا.
كان الأمر أسوأ في الجامعة. دفعا كل شيء رسوم جامعة خاصة وشقة خارج الحرم ومصروفا شهريا يفوق ما يجنيه كثيرون في عمل كامل.
استغرق كيفن ست سنوات لإتمام دراسة مدتها أربع سنوات وغير تخصصه ثلاث مرات ورسب في مواد لم يكن يحضرها أصلا. كلما اقترح آرثر أن يعمل كيفن عملا جزئيا ليتعلم شيئا من أخلاقيات العمل كانت مارثا تدافع عنه.
كانت تقول
عليه أن يركز على دراسته.
وكان آرثر يرد
هو لا يدرس. هو يسهر ويعبث.
لكن مارثا لم تصغ. كانت ترسل مالا إضافيا حين يتصل كيفن طالبا. وكانت تختلق الأعذار حين يعود في العطل ومعه صديقة جديدة تنظر إلى بيتهم كأنها تقدره للمزاد.
بعد التخرج تنقل كيفن من وظيفة إلى أخرى. لم يكن شيء يرضيه. الساعات طويلة. المديرون
متطلبون. الراتب لا يليق بمستواه التعليمي.
عرض عليه آرثر وظيفة في شركته للمحاسبةوظيفة مبتدئ مثلما يبدأ الجميع. شعر كيفن بالإهانة
لدي شهادة. لا ينبغي أن أبدأ من القاع.
قال آرثر
الجميع يبدأ من القاع. هكذا تتعلم العمل.
رفض كيفن. وجد وظيفة في شركة منافسة واستمر ثمانية أشهر ثم فصل بسبب مشكلات في الأداءوهو ما علمت مارثا لاحقا أنه يعني أنه بالكاد كان يحضر وأنه كان يقضي وقته يتسوق عبر الإنترنت ويتذمر من قهوة المكتب.
ثم جاءت جيسيكا. دخلت حياة كيفن كإعصار حقائب مصممين وذوق باهظ. كانت تعمل وكيلة عقارات لكن مارثا لم تكن متأكدة أبدا من مدى نجاحها الحقيقي.
المؤكد أن جيسيكا كانت ترى في كيفن بطاقة عبور.
وكان كيفن في سعيه لإبهارها ينفق أموالا لا يملكهايركم ديون بطاقات ائتمان ويقترض قروضا لا يستطيع سدادها.
وعندما جاءت الفواتير جاء كيفن إلى والديه.
أعلن مساء أحد الأيام على العشاء كأنه يطلب الملح
أحتاج خمسين ألف دولار.
وضع آرثر شوكته على الطبق.
خمسون ألفا لماذا
قال كيفن
دمج ديون. بطاقات ائتمان. ليس شيئا كبيرا. أنتما تستطيعان تحمله.
قال آرثر بهدوء
السؤال ليس هل أستطيع تحمله. السؤال لماذا تظن أن علي أن أدفع ثمن قراراتك السيئة
اسود وجه كيفن
لأنني ابنك. لأن هذا ما يفعله الآباء.
قال آرثر
لا. الآباء يعلمون أبناءهم أن يكونوا مسؤولين. لا يمكنونهم من أن يبقوا أطفالا إلى الأبد.
كان الجدال الذي تلا ذلك عنيفا. اتهم كيفن آرثر بالبخل وبأنه لا يحبه وبأنه يهتم بالمال أكثر من الأسرة. جلست جيسيكا وابتسامة صغيرة على وجهها كأنها خططت للمشهد كله.
حاولت مارثا التدخل والبحث عن حل وسط لكن آرثر كان هذه المرة صلبا.
قال
لا يا مارثا. ليس هذه المرة. عليه أن
يصلح الأمر بنفسه.
غادر كيفن وجيسيكا في غضب. ولم يتحدثا مع آرثر ستة أشهر.
كان
تم نسخ الرابط