هذا عقد زوجتي
يحاول أن يمنع الكلمات من الانفجار
أمك كانت تقاتل حتى النهاية. لم تكن ضعيفة. لم تكن مستسلمة. كانت تقف وحدها أمام خوف لا يرحم.
تقدم سيباستيان خطوة وقد تغير وجهه. لم يعد وجه رجل أعمال اعتاد السيطرة بل وجه رجل تخلى عنه المنطق وبدأ يبحث عن الحقيقة بيدين عاريتين.
أخفتها لماذا سأل بصوت مشدود لماذا قلت إنها ماتت لماذا تركتها من أنت أصلا
أطرق إلياس ثم رفع عينيه نحو السقف وكأنه يستعيد ليلة لا يستطيع الهرب منها.
لأنها لو عرفوا أنها حية سيعودون. قالها ببطء شديد وكأن الكلمة نفسها قد تفتح الباب على الكارثة.
من هم صرخ سيباستيان ولم يعد يستطيع أن يحبس صوته من هم الذين تتحدث عنهم!
ارتجف إلياس. نظر حوله كأن الجدران تتنصت كأن الهواء نفسه قد يكون عدوا.
رجال بملابس سوداء سيارات بلا لوحات وجوه لا تضحك إلا حين تسقط الناس.
ثم قال وكأنه يقطع آخر خيط بينه وبين الإنكار
لم يكن حادثا. لم يكن قدرا عابرا. دفعوهم.
دفعوا السيارة دفعوا حياتكم كلها.
تصلبت ملامح سيباستيان.
والهواء ثقل في صدره.
لم يعد الأمر مجرد فقد قديم أصبح جريمة حية جريمة لها أشخاص ولها نوايا ولها أسماء ستظهر حين يزال الغبار.
أرادت إيفت أن تتكلم أن تسأل أن تصرخ لكنها لم تستطع.
كل ما فعلته أنها ضمت القلادة على صدرها كأنها تخاف أن تنتزع منها مرة أخرى.
كان قلبها يخفق بعنف لا من الخوف وحده بل من حقيقة تلتهمها أنها ليست طفلة وجدت بلا قصة بل قصة كتبت عمدا ثم مزقت.
لم يترك لهم الزمن فرصة لالتقاط أنفاسهم.
في الأسفل سمعوا صوت محركات تقترب.
ثم أضواء قوية تشق العتمة كالسكاكين.
ثم أصوات رجال يصرخون وأبواب سيارات تغلق بعنف وخطوات تسرع نحو الداخل.
قال كارديناس عبر اللاسلكي بصوت حاد
إنهم هنا لقد طوقوا المكان!
لم يعد هناك مجال للكلام.
هبطوا بسرعة عبر درج معدني صدئ وكل خطوة كانت تصرخ تحت أقدامهم كأن الصومعة نفسها تفضحهم.
دوى
صاحت إيفت من الرعب لكن سيباستيان أمسك يدها بقوة وجرها إلى ممر ضيق.
لا تتوقفي! قال لها وهذه المرة كان صوته أقرب إلى صرخة أب يرفض أن يخسر ابنته مرة ثانية لن أتركك مرة أخرى لن أتركك!
اندفعوا نحو فتحة قديمة تؤدي إلى نفق تصريف تحت الأرض وكانت المياه تصل إلى الكاحلين باردة نتنة لكنهم لم يعودوا يميزون شيئا سوى ضرورة النجاة.
في النفق كان كل شيء يضيق.
الهواء ثقيل.
الرؤية ضعيفة.
وأصوات الرصاص خلفهم كأنها تلاحقهم في الظلام.
تعثر إلياس بساقه وكاد يسقط فالتفت سيباستيان نحوه بعصبية.
تحرك! قالها وهو يحاول أن يدفعه للأمام لكن شيئا من الرحمة ظهر سريعا في عينيه فهو يدرك الآن أن هذا الرجل مهما كان ذنبه يحمل قطعة من الحقيقة التي ضاعت منه عمرا كاملا.
خرجوا من النفق على ضفة نهر واسع وكانت السماء ملبدة والريح تعصف بالماء فتجعله يبدو كأنه يغلي.
في اللحظة نفسها ظهرت سيارة سوداء على الطريق العلوي ثم أخرى.
أضواءها سلطت على المكان كأنهم يصيدون أرواحا.
صرخ كارديناس
إلى الماء! إلى الجهة الأخرى!
ركضوا بمحاذاة النهر وانزلقوا بين الصخور والطين.
طلقة أصابت حجرا قرب قدم إيفت فتناثر الشرر فصرخت لكن سيباستيان لف ذراعه حولها وغطاها بجسده.
كانت المطاردة جنونا مكتملا.
أصوات سيارات.
صفير رصاص.
محركات تصرخ.
ورجل كان بالأمس يتحدث عن صفقات واليوم يركض كأي إنسان عادي لا يملك سوى خوفه على ابنته.
وفي لحظة حاسمة كانت إحدى السيارات السوداء تندفع بسرعة جنونية لتعترض طريقهم على الجسر القديم لكن الأرض تحتها كانت مكسورة.
صرخ أحد المسلحين داخلها وارتفعت السيارة ثم انزلقت.
سقطت في الفراغ وارتطم الحديد بالماء بصوت مريع ثم ابتلعها النهر.
لم يكن انتصارا.
كان مجرد نافذة صغيرة للهرب.
وصلوا أخيرا إلى طريق جانبي وهناك ظهر أرتورو.
وقف تحت ضوء مصباح أصفر يحمل سلاحا
كان يرتدي ثيابه الأنيقة حتى في الطين كأن العالم كله مجرد مكتب كبير وهو المدير فيه.
ابتسم ابتسامة قصيرة لا دفء فيها.
أعمال يا سيباستيان قال كمن يتحدث عن صفقة لا عن حياة بشر زوجتك الميتة تركتني بلا وريثة.
ثم أشار بالسلاح نحو إيفت
وهذه هي المشكلة التي عادت لتتنفس.
تقدم سيباستيان خطوة ووضع إيفت خلفه مباشرة كأنه يصنع بجسده حائطا.
اتركها قال بصوت مظلم خذني أنا.
ضحك أرتورو ضحكة صغيرة.
يا لك من درامي
رفع السلاح وفي اللحظة نفسها شقت السماء دوامة ضوء أبيض.
مروحية ظهرت منخفضة جدا حتى إن الريح التي أحدثتها بعثرت التراب وأجبرت الجميع على إغماض أعينهم.
سلط الكشاف على المكان كأنه يحول الليل إلى نهار.
ثم خرجت أصوات صارمة عبر مكبرات
ألق السلاح! ارفع يديك!
وفي ثوان خرج رجال بزي رسمي من بين الأشجار يطوقون المكان بدقة وحزم.
ظهر كارديناس بين الضوء كان ذراعه مضمدا وملابسه ملطخة لكنه كان واقفا بثبات.
قلت لك إنني لن أترككم قال وهو يوجه سلاحه نحو أرتورو.
حاول أرتورو الهرب كعادته حين يشعر أن اللعبة خرجت من يده
لكن سيباستيان اندفع نحوه.
لم يكن اندفاع رجل يريد الانتقام بل اندفاع رجل يحمل وزن ثلاثة وعشرين عاما.
أمسكه وأسقطه أرضا وقيدوه بالأصفاد.
وعندما سحب أرتورو بعيدا لم يشعر سيباستيان بالراحة.
شعر فقط أن الهواء عاد قليلا إلى صدره وأن الحقيقة مهما كانت قاسية أصبحت الآن فوق الطاولة.
بعد أيام كانت قاعة الاجتماع مزدحمة برجال
اعتادوا الكلام بثقة زائفة.
وجوه تتصنع الهدوء وأعين ترتجف تحت نظرات الصحافة.
دخلت إيفت بجانب سيباستيان.
لم تعد ترتدي زيا رماديا.
بل كانت ترتدي ثوبا أبيض بسيطا ليس فخما ولا متكلفا لكنه كان يليق بها لأنها كانت تمشي للمرة الأولى وهي تعرف من تكون.
القلادة تلمع على صدرها مثل مفتاح قديم فتح بابا كان مغلقا.
حاول بعضهم
حاول بعضهم التشكيك.
قال آخرون كلمات محفوظة عن السمعة والمخاطر والحذر.
لكن الأدلة كانت أعلى من الأصوات.
اعترافات سقطت.
أسماء ظهرت.
ووجوه كانت قوية بالأمس أصبحت تبحث عن مخرج.
وعندما بدأ سقوط الأقنعة لم يكن سقوطا صاخبا بل سقوطا بطيئا كالأحجار في الماء
كل اعتراف يجر اعترافا.
كل اسم يكشف اسما.
ثم زارا قبر إيفيلينا.
لم تكن زيارة كالأفلام.
لم تكن هناك موسيقى حزينة.
كان هناك فقط شجرة وسكون وحجر بارد عليه اسم امرأة أحبت وقاتلت ثم اختفت.
ركعت إيفت أمام القبر ولم تبك بكاء هائجا
بل بكت بكاء صامتا يشبه الاعتراف الأول بالوجع.
لمست الرخام بأطراف أصابعها وكأنها تلمس وجها لم تره.
مرحبا يا أمي همست عدت.
وقف سيباستيان بجوارها.
رجل اعتاد أن يشتري الأشياء لكنه الآن يقف أمام شيء لا يشترى
الوقت.
نظر إليها بعينين مبللتين.
سامحيني لأنني تأخرت قال وكانت هذه الجملة أثقل من كل ثروته.
رفعت إيفت رأسها ووجهها مزيج من الشجاعة والطفولة والإنسان.
لا تشتر لي حياة قالت رافقني في بنائها.
أومأ سيباستيان.
ولم يكن هذا الإيماء موافقة رجل أعمال
بل وعد أب.
لاحقا طلبت إيفت شيئا لم يكن أحد يتوقعه.
لم تطلب قصورا.
لم تطلب سيارات.
لم تطلب لقبا يتصدر الجرائد.
طلبت صندوقا للأطفال بلا سجلات.
للرضع الذين تركوا في ليلة مطر.
للأمهات الوحيدات اللواتي لا يجدن بابا يفتح.
للملاذات التي تحفظ أرواحا صغيرة من الضياع.
وقع سيباستيان دون نقاش
كأنه يوقع هذه المرة على تصحيح جزء من العالم لا على عقد تجاري.
وفي النهاية عندما ركبا السيارة ليلا كانت المدينة تلمع بأضواء بعيدة وكأنها لا تعلم كم تغير كل شيء.
ضغطت إيفت القلادة على صدرها.
لم تعد رمز ألم.
ولا تذكارا لجرح قديم.
بل صارت دليل حب
ودليل تضحية
ودليل عودة.
قال سيباستيان بهدوء عميق
وصلنا متأخرين لكننا وصلنا.
أسندت إيفت رأسها على كتفه ولم تقل شيئا.
لأن
في تلك اللحظة فقط وللمرة الأولى منذ ثلاثة وعشرين عاما لم تعد كلمة عائلة حلما مستعارا.
أصبحت وطنا.