بنتي صحتني حكايات زهرة حصري منصة لمحه
المحتويات
أجيب طلبات من السوبر ماركت. المصعد كان عطلان فنزلت على السلم. وأنا معدية من الدور التاني الشقة المقفولة بقالها سنين اللي بيقولوا عليها ورثة وعليها مشاكل، سمعت صوت خبط ورزع غريب جوه.
المفاجأة الباب مكنش مقفول كويس، كان موارب سِنة صغيرة. فضولي قتلني وبصيت من الشق.. شفت عم جابر ومعاه اتنين رجالة لابسين لبس نضيف جداً، بس شكلهم يخوف. كانوا بيفتحوا خزن حديد ضخمة في الصالة، ومليانة أكياس سودا وسبائك دهب وحاجات بتلمع.. وشفت كمان...
الكارثة فرح سكتت ثواني وبلعت ريقها بصعوبة، وجسمها كله اتنفض شفت جثة راجل مرمية في الركن ومغطية بملأءة غرقانة دم.. عم جابر كان بيتفق معاهم يدفنوا الجثة فين بالليل، وفجأة تليفوني رن! هما انتبهوا للصوت، وأنا جريت زي المجنونة وطلعت الشقة وقفلت علينا. هما مكنوش متأكدين مين اللي شافهم، بس عم جابر عارف مين اللي في العمارة ومين خرج ومين دخل.. وبدأوا يراقبوا الشقة من وقتها ويستنوا الليل يليل عشان يخلصوا مننا.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. الدنيا لفت بيا وحسيت إن الأرض بتميل. إحنا مش في كابوس.. إحنا في وسط مصيبة حقيقية، قتلة ومجرمين واقفين على باب بيتنا وبيتمنوا موتنا في أي لحظة.
خطة الهروب من الممر المظلم
قعدت أفكر بسرعة والادرينالين ضارب في نفوخي. البوابة الرئيسية مقفولة بالجنزير، وعم جابر واقف حارسها. لو حاولنا نطلع منها هيمسكنا قبل ما نفتح القفل. السلم لفوق خطر لأن بقية الرجالة منتشرين في الأدوار وبيفتشوا الشقة وممكن ينزلوا في أي لحظة.
مفضلش قدامنا غير مخرج واحد.. المنور.
المنور بتاع عمارتنا كبير ومفتوح على منور العمارة اللي ورانا، وبينهم سور قصير مبني من الطوب الدبش القديم. لو قدرنا نعدي السور ده، هنبقى في العمارة التانية ونقدر نخرج للشارع الموازي.
فرح.. اسمعيني كويس. هنمشي من طريق المنور. مفيش حل تاني.
هزت راسها بالموافقة وهي بتترعش. بدأنا نتسحب في الممر الضيق المؤدي لباب المنور الخشبي الصغير. الأرض كانت مليانة تراب وأكياس بلاستيك بتعمل صوت خروشة مع كل خطوة. كنت بضغط على رجلي الحافية بعد ما فردة الشبشب التانية ضاعت مني وأنا بتدارى ورا العمود عشان متعملش أي صوت. الألم كان فظيع بس الخوف كان أقوى ومبنج كل حواسي.
وصلنا لباب المنور. حطيت إيدي على الترباس الصديء.. كان ناشف جداً ومحتاج قوة عشان يتفتح، ولو اتفتح بقوة هيعمل صوت تزييق عالي يسمعه الأعمى.
بصيت لفرح وشاورتلها تمسك معايا الترباس. حطينا إيدينا مع بعض، وبدأنا نضغط ببطء شديد.. ملي بمتر.. وقلوبنا بتدعي ربنا يسترها.
تزييييييق...
صوت خفيف جداً طلع من الباب. وقفنا في مكاننا زي التماثيل.
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات سريعة جاية من مدخل العمارة!
مين هناك؟!.. كان صوت عم جابر وهو بينادي بشك وبدأ يقرب من الممر.
اللحظات الأخيرة تحت جنح الظلام
بدون تفكير، زقيت الباب بكل قوتي وشدت فرح ورايا ودخلنا المنور. الهوا البارد لطش وشنا، والضلمة هنا كانت أشد. قفلنا الباب ورا بظهري وسندت عليه بكل قوتي.
ثواني وسمعنا خبط قوي على الباب الخشبي من برة. عم جابر بيحاول يفتحه!
افتحي يا ست أم فرح.. أنا عارف إنكم جوه! افتحي بالذوق بدل ما نقلبها دم.. البنت شافت حاجات متخصهاش!
صوته مكنش فيه أي رحمة، كان صوت وحش بشري تخلّى عن كل قناعاته الإنسانية عشان ينقذ نفسه.
يلا يا فرح بسرعة.. على السور! صرخت بصوت واطي ومبحوح.
جرينا في أرضية المنور الطينية. الطين كان بيلزق في رجلي ويزحلقني، وفرح كانت بتسندني. وصلنا للسور الفاصل. كان طوله حوالي متر ونص.
اطلعي الأول يا فرح.. اخلصي!
سندت بنتي ورفعتها بكل قوتي لحد ما قدرت تقعد على حرف السور، ونطت الناحية التانية. لسه باجي عشان أرفع نفسي وأعدي وراها، سمعت صوت خشاب الباب الخشبي وهو بيتكسر وبيتفرفك!
عم جابر كسر الباب ودخل المنور، وكان معاه كشاف قوي ضرب نوره في عيني وعماني تماماً.
رايحة فين يا أم فرح؟ ده إحنا جيران برضه! قالها بضحكة صفرا مسمومة وهو بيقرب مني وفي إيده مطواة بتلمع في الضلمة.
في اللحظة دي، الخوف اتمسح من قلبي وحل محله غريزة الأم اللي بتدافع عن بنتها. لقيت جنبي قالب طوب أحمر كبير من بقايا تصليحات قديمة في المنور. وطيت بسرعة البرق، شيلته بكل قوتي وحدفته في اتجاه الكشاف.
طااااخ!
قالب الطوب جه في إيده اللي ماسكة الكشاف. الكشاف وقع على الأرض واتكسر، وعم جابر صرخ من الألم وهو بيشتم بأبشع الشتايم.
استغليت اللحظة دي، وسندت على السور بكل ما أوتيت من قوة وعزم، ونطيت الناحية التانية. وقعت على أرض منور العمارة المجاورة على ركبي وإيدي.. الوجع كان لا يحتمل، بس مكنش فيه وقت للشكوى. فرح شدتني وقومتني ماما.. يالا بسرعة.. الباب بتاع العمارة دي مفتوح!
إلى المجهول
جرينا جوة طرقة العمارة التانية ونزلنا السلم لغاية ما بقينا في الشارع الموازي. الشارع كان هادي وضلمة، مفيش فيه غير كلاب السكك اللي بدأت تهوهو علينا. جرينا بأقصى سرعة عندنا لغاية ما وصلنا للشارع الرئيسي العمومي.
وقفنا على الرصيف بننهج، لبسي مبهدل، ورجلي بتنزف دم، وفرح حاضناني وبتعيط بهستيريا.
وفجأة.. ظهرت عربية تاكسي بيضا من بعيد. شاورتلها بلهفة ودموعي نازلة. التاكسي وقف بسرعة، فتحنا الباب وركبنا ورا وأنا بقول للسواق بصوت بيترعش
على أقرب قسم شرطة يا اسطى.. أرجوك بسرعة!
السواق بص لينا في المراية باستغراب وبدأ يتحرك
متابعة القراءة