موتور بابا حكايات زهرة

لمحة نيوز

طايرة! إنتي بتطلعي غل وجع جوه التراك!
وفعلاً، الغل ده هو اللي كان بيحرّك رجلي زي المحرك اللي مبيوقفش.
طول فترة المعسكر، كريم كان بيكلمني من وراهم من تليفون صاحبه ميدو، يطمن عليا ويقولي شدّي حيلك يا نادية، إنتي أملي الوحيد إني أشوف حد في عيلتنا ناجح وبيرفع الراس.
أما أبويا وأمي، فمكنوش بيكلموني إلا عشان يسألوا المكافأة الأولى هتنزل إمتى يا بت؟ الحج عليه ديون ومحتاجين فلوس عشان علاج منة!
يوم البطولة الكبرى.. ومواجهة الحقيقة
بعد سنة كاملة من التدريب الشاق، جيه يوم بطولة الجمهورية والمؤهلة للبطولة الأفريقية. السباق كان في استاد القاهرة الدولي، والمدرجات كانت مليانة ناس، والكاميرات في كل مكان.
قبل السباق بساعة، اتفاجأت بأبويا وأمي ومنة جايين الاستاد! كانوا لابسين أحسن ما عندهم، وأبويا ماشي وفارد صدره وسط الناس وبيقول للي رايح واللي جاي أنا أبو نادية البطلة.. أنا اللي مرنّها وجبتها على الموتوسيكل بتاعي!
منة أختي جت وقفت جنبي، وبصت لي بنظرة مكسورة وفيها غيرة مخلطة بكسوف، وقالت لي شدّي حيلك يا نادية.. الحارة كلها بتتفرج عليكي في التلفزيون.
هزيت راسي من غير ما أتكلم. نزلت التراك، ووقفت في حارتي مستنية صفارة البداية. بصيت للجمهور، وشفت كريم وافق بعيد بيشاور لي ويدعي لي وعينه مدمعة.
طراااااخ! ضربة البداية انطلقت.
في أول 100 متر، كنت متأخرة.. البنات اللي معايا من أندية كبيرة ومتغذيين كويس ومدربين في ملاعب غالية.
في ال 200 متر اللي بعدهم، بدأت أسرّع.. وحسيت فجأة ب هوا شديد بيخبط في وشي. الهوا ده فكرني ب ميدو لما كان بيقول إن الهوا بينفخ خدوده زي البالونة وهو راكب الموتوسيكل.
قلت لنفسي أنا مش محتاجة موتوسيكل.. أنا الموتوسيكل نفسه!
دوست على رجلي بكل قوتي، وغمضت عيني، وشفت نفسي وأنا بنت عشر سنين بجري في الحارة ورا أبويا وهو بيزود السرعة ومبيرضاش يقف لي.. صرخت جوايا المرة دي أنا اللي هسبق! المرة دي اللفة بتاعتي أنا!
عديت الأولى.. والتانية.. والتالتة.. وقبل خط النهاية ب 5 متر، طرت زي السهم وعديت خط النهاية وسط صراخ وهتاف الاستاد كله باسمي نادية!.. نادية!.. نادية!
المنصة.. ورد الاعتبار
وقفت على منصة التتويج، والميدالية الدهب بتلمع على صدري، وعلم مصر بيترفع. الكاميرات كلها اتوجهت ليا، والمذيعين جريوا عليا بالمايكات عشان ياخدوا الكلمة الأولى من بطلة الجمهورية الجديدة.
أبويا وأمي زقوا الناس وحاولوا يدخلوا الكادر عشان يظهروا في التلفزيون، وأبويا بدأ يتكلم بصوت عالي بنتي وحبيبتي.. رفعت راسي.. كله بفضل ربنا وتدريبي ليها!
الصحفي وجه المايك ليا وقال كابتن نادية.. تحبي تقولي إيه في لحظة التتويج دي؟ ومين صاحب الفضل الأول عليكي بعد ربنا؟
بصيت لأبويا وأمي، وشفت الخوف في عينيهم إن أقول الحقيقة وأفضحهم قدام الملايين.. وشفت الطمع في إنهم يفضلوا أهل البطلة.
ابتسمت المرة دي ابتسامة صافية، مفيهاش وجع، لأن الوجع مات مع خط النهاية.
أخدت المايك وقلت بثبات
صاحب الفضل الأول عليا بعد ربنا، هو أخويا كريم.. الوحيد اللي طبطب عليا وأنا بعيط. وعم عبده الحلاق اللي على أول حارتنا، اللي قالي في يوم من الأيام متزعليش يا بنتي.. بكره تكبري وتبقي أحلى ومحدش يعرف يشدك من شعرك تاني. الناس دي هي اللي بنيتني نفسياً عشان أقف هنا النهاردة.
الصحفي استغرب وقال والوالد والوالدة؟
رديت باختصار وبكل كبرياء
الوالد والوالدة كتر خيرهم.. هما اللي عرفوني إن الحياة سباق صَعْب، وإن اللي مبيجريش على رجله وبيعتمد على حد يركّبه معاه.. هيفضل طول عمره واقف في مكانه مستني لفة مش هتيجي.
نهاية الحكاية.. البداية الجديدة
اللقاء ده قفل الباب تماماً قدام طمع أبويا وأمي. الحارة كلها عرفت الحكاية، وعم عبده الحلاق بقى يوزع شربات في الحارة وفخور إن اسمه اتقال في التلفزيون. كريم أخويا بقى شغال معايا كإداري ومسؤول عن أعمالي بعد ما نقلت للعيش في شقة خاصة بيا في القاهرة من فلوس مكافآتي وراتبي من الوزارة.
أما أبويا وأمي، فرجعوا الحارة يصرفوا على مرض منة اللي زاد، وبقى الموتوسيكل الأزرق القديم مركون تحت البيت، بياكله الصدأ ومحدش بيمسه.. زي الذكرى القديمة اللي سابت في قلبي جرح، بس الجرح ده هو اللي فتح لي طريق المجد والحرية.
النهاردة، وأنا راكبة عربيتي الجديدة اللي اشتريتها من عرق جبيني، فتحت الشباك، والهوا خبط في وشي ونفخ خدودي زي البالونة.. ضحكت من كل قلبي وقلت أهو يا ميدو.. الهوا نفخ خدودي من غير موتوسيكل بابا.. ومن غير ما أستنى دوري من حد!

تم نسخ الرابط