موتور بابا حكايات زهرة
المحتويات
وقف جنبي واتنهد وقال بصوت واطي منة علاجها غالي وبيتعب بابا وماما.. ما تزعليش منهم هما مضغوطين.
كريم كان الوحيد اللي بيحبني ، وعيال الحارة بيقولوا عليه صاحب صاحبه وجدع.
وفعلاً، كل ما كنت بعيط، هو اللي كان بيطبطب عليا.
أخدني من إيدي وراح بيا لعم عبده الحلاق اللي على أول الحارة جنب المستشفى.
المنور كان فيه كرسي حلاقة كبير، وعم عبده حط فوقه خشبة صغيرة عشان أطول.
قعدت كشّانة في مكاني، ولف عليا المريلة .
كريم قال لعم عبده بصوت مكسوف معيش غير ٣ جنيه يا عم عبده، وإلا كنت وديتها احسن كوافيره تظبط شعرها
عم عبده بص لي وقال عشان خاطر البنية دي، الحلاقة دي ببلاش يا كريم.
و حب يلطف الجو وبص لي وقال إيه الأخبار يا نادية؟ فتحتي بوقك النهارده والهوا نفخ خدودك وإنتي راكبة الموتوسيكل
نفخت خدودي بسرعة وعملت نفسي بضحك وقلت أه طبعاً.. ففف.. ففف.. كان بالظبط كده!
عم عبده قعد نص ساعة يظبط في شعري البايظ، خصوصاً من ورا مكان ما أمي قصته بعشم.
لما خلص، ملّس على راسي بحنية وقال نعيماً يا بنتي.
وأنا قايمة، قالي..متزعليش يا بنتي كده بقيتي احلى ، وعشان العيال الغلسين بيحبو يشدو شعر البنات كده لما ييجوا يشدوا شعرك.. ميعرفوش!
بعدها، وبسبب الحكاية دي، مبقتش اطلب اي حاجه وكاني مليش اهل
فضلت لسنوات طويلة أروح المدرسة وأرجع منها جري على رجلي.. لحد ما كملت 20 سنه وبقيت اسرع من الحصان واشتركت في مسابقه تبع المدرسه وطلعت الاول
واتفاجأت بانهم اختاروني في منتخب المحافظة للجري، وجت الصحافة تعمل معايا لقاء في البيت.
يومها، اتفاجأت بامي بتزغرد وتتباهى و أبويا طلع الموتوسيكل القديم بتاعه وقال للصحافه بكل فخر
كله بفضلي! أنا اللي كنت بخليها تجري ورا الموتور عشان تتمرن، كنت بدربها وباخد باللي ليها
ابتسمت بوجع وبصيت للصحفي اللي كان مبهور بكلام أبويا، وبصيت لأبويا اللي كان واف بزهو وفارد كتافه وكأنه صنع المعجزة. كان نفسي أصرخ في وش الدنيا كلها وأقولهم لأ! ده سابني أنّهج وأموت من التعب ورا الموتوسيكل، ده قهرني وكسر بخاطري أنا وأمه!.. بس لقيت نفسي بتنفس بهدوء، والوجع اللي عاش جوايا عشر سنين اتحول لصلابة غريبة.
بصيت للصحفي وقلت له بنبرة صوت ثابتة مفيهاش أي رعشة
فعلاً يا أستاذ.. كلام الحج مظبوط. أنا اتعلمت الجري بسببه.. كنت بجري ورا الموتوسيكل وهو بيبعد عني وزي ما يكون بيبعدني عن الدنيا كلها. السرعة اللي كنت بجري بيها عشان ألحق لفتي اللي عمري ما ركبتها، هي اللي خلت نفسي طويل وخلت رجلي تسبق الريح. الوجع والرفض هما اللي عملوا مني بطلة، لولا جريي ورا الموتور وهو هربان مني، مكنتش هبقى هنا النهاردة.
الصحفي كتب الجملة دي وهو منبهر ب البلاغة والعمق اللي بتكلم بيهم، واعتبرها قصة كفاح ملهمة بين أب وبنته. لكن أبويا وأمي وشوشهم اتقطعت مية حتة، وفهموا اللقحة والكلام المسموم اللي طالع من قلبي المجروح.
كواليس الشهرة.. ووشوش تانية خالص
بعد ما الصحافة مشت، ولموا الكاميرات والإضاءة من الصالة الضيقة، قفل أبويا الباب وراهم، ولف ليا وعينه كلها شرار وطمع في نفس الوقت.
قال لي بصوت واطي وموجوع من كلامي إيه الكلام اللي قلتيه للصحفي ده يا بت؟ إنتي بتلقحي علينا؟
أمي ردت بسرعة وهي بتلوح بإيدها سيبك منها يا أبو كريم، دي بت نكارة جميل! لولا إننا لميناها من الملجأ وربّيناها وسط عيالنا، كانت زمانها مرمية في الشوارع.. ودلوقتي لما ربنا كرمها وبقى ليها اسم، جاية تتبغدد علينا وتعمل فيها بطلة!
في اللحظة دي، كريم أخويا دخل وسطنا وقال بزعيق لأول مرة في حياته
بس بقى حرام عليكم! نادية طول عمرها شايلة ومستحملة، ومقلتش كلمة كدب. إنتوا اللي عمركم ما حسستوها إنها بنتكم، ودلوقتي لما بقت بطلة والكل بيتكلم عنها، عاوزين تنسبوا الفضل لنفسكم؟
أبويا ضرب كريم بالقلم وقاله اخرس يا قليل الأدب! بتعلي صوتك على أبوك عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟
أنا منزلتش دموعي المرة دي. مسكت إيد كريم وشدّيته ورايا، وبصيت لأبويا وأمي وقلت لهم ببرود
أنا مسافرة معسكر المنتخب في القاهرة الفجر.. ومش هأخد منكم مليم، لأن المنتخب متكفل بكل حاجة. والفلوس اللي هتيجي من المكافآت، هتوصلني على حسابي الخاص.
أمي شهقت وقالت بطمع واضح حساب إيه يا عين أمك؟ إنتي لسه مكملتيش سنك الصغير رغم إني كنت تمت ال 20 بس هما شايفيني لسه تابعة ليهم، والفلوس دي من حق البيت اللي أكلك وشربك وسكنك طول السنين دي!
سبتهم وامتصيت غضبهم ب سكوت تام. دخلت أوضتي، لميت هدومي البسيطة في الشنطة، وقعدت على السرير أفتكر ضفيرتي اللي اتقصت، والمية الساقعة اللي نزلت على دماغي في الحوش، والوجع اللي كان بياكل في قلبي.
رحلة القاهرة.. ونَفَس من حديد
سافرت القاهرة، ودخلت معسكر المنتخب. الأيام هناك كانت غسيل ومكواة.. تمرين الصبح، وتمرين بالليل، جري في التراك تحت الشمس الحارقة لحد ما رجلي كانت بتورم. بس كل ما كنت بحس بالتعَب أو العجز، كنت بفتكر جملة أمي زيادة العيل هم ومصاريف ولقمة زيادة من الهوا.. وكنت بفتكر ضحكة منة وكريم وهما راكبين الموتوسيكل وأنا بنهج وراهم في التراب.
العزيمة دي خلت الكابتن بتاع المنتخب يبص لي بذهول ويقول لي إنتي مش بتجري يا نادية.. إنتي
متابعة القراءة