عيد ميلاد امي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


الباب مالتش اتفضل، لأني كنت لسه شايل جرح عيالي في قلبي.
أبويا بص في الأرض وقال بصوت مرعش مش هتدخل أبوك يا كريم؟
سِعِت سكة ودخل، قعد في الصالون وراسه في الأرض. مراتي سارة أول ما شافته، دخلت المطبخ بهدوء وعملتله كباية شاي وحطتها ونزلت قعدت جمبي بدون ولا كلمة.
أبويا بص ل سارة وقال سامحيني يا بنتي.. أنا عارف إني جيت عليكم كتير، بس إحنا كبرنا وعقلنا على قدنا، والست فاطمة أمك يا كريم من يوم الحفلة وهي عيانة وضغطها مش بيظبط، والبيت مابقاش يدخله قرش.
بصيتله وقولتله والست بسمة؟ فين شطارتها؟ وفين جوزها؟ وفين عيالها الباشوات؟
تنهد وقال أختك أول ما لقت مفيش فلوس بتجيلنا منك، وسابتنا ومبقتش بتسأل، وجوزها اتقاعس عن سداد الشيكات اللي مضت عليها يوم الحفلة وهي دلوقتي مهددة بالحبس.. إحنا اتعمينا يا ابني، كنا فاكرين إنك الحيطة المايلة اللي بنحمل عليها عشان نسند الهشة، بس اكتشفنا إنك أنت السند الحقيقي اللي هديناه بإيدينا.
في اللحظة دي، يوسف وفريدة خرجوا من أوضتهم. أول ما شافوا جدهم، وقفوا بعيد وخايفين يقربوا.. لسه فاكرين ليلة الشجر والظلمة.
أبويا أول ما شافهم، عينيه دمعت. فتح دراعاته ليهم وقال تعالوا يا حبايب جدو.. تعالوا في حضني.
العيال بصوا لي مستنيين إشارة مني. هزيت راسي بمعنى روحوا. جريوا عليه وحضنوه. أبويا كان بيعيط بجد وهو بيبوس راسهم ويقولهم سامحوني.. أنتم أسياد المكان وأسياد القاعة كلها.
بصيت للمشهد ده وحسيت بنصر حقيقي. النصر مش إني ذليت أهلي، النصر إني رجعت لعيالي كرامتهم وخليت اللي ظلمهم يجي لحد عندهم ويعتذر.
قومت وقفت وقولت لأبويا يا حاج، أنا مش هسيبكم تجوعوا، ولا هسيب أختي تتسجن عشان لحمي ودمي ميرضيش ربنا.. أنا هدفع ديون بسمة لله وللوطن، وهخصص ليكم أنت وأمي مصروف شهري ثابت يكفي علاجكم وأكلكم وشربكم بالعدل، وبما يرضي الله ورسوله.. لكن!
أبويا رفع راسه وبصلي لكن إيه يا ابني؟
قولتله لكن الفيزا المفتوحة اتقفلت للأبد. مفيش مليم زيادة عن المصروف الأساسي. ومفيش تدخل في حياتي ولا حياة عيالي. والزيارات هتكون بالمعروف وبحساب.. اللي يحترم مراتي وعيالي، يشيلوا فوق راسنا، واللي يفكر يكسر خاطرهم، الباب يفوت جمل.
أبويا وافق وهو بيحمد ربنا ويبوس إيدي ورأسي.
لما مشي، سارة قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالتلي أنت كده ابن أصول بجد يا كريم.. حَميت كرامة ولادك، وفي نفس الوقت مقطعتش رحمك وعملت بأصلك ودينك.
النهاردة، أنا بكتب الكلام ده وأنا مرتاح البال. أهلي عرفوا قيمتي وعرفوا إن الطيب مش مغفل، وعيالي كبروا وهم شايفين أبوهم راجل قوي بيعرف يجيب حقهم ويقفل أي إيد تتمد بالإساءة ليهم.
صلة الرحم والبر بالوالدين فرض على كل مسلم، بس الدين عمره ما أمرنا بالمهانة، وعمره ما طلب مننا نضحي بكرامة أولادنا عشان نرضي كبرياء غيرنا. خليك قوي، وخلي طيبتك بحساب، عشان تعيش مستور ومرفوع الرأس.
عدت شهور على اليوم ده، والدنيا مشيت زي ما خططت لها بالمسطرة.
بقت أختي بسمة تيجي تزور أمي وأبويا وهي حاطة راسها في الأرض، ولما بتشوفني أنا ومراتي وعيالي، بتسلم بمنتهى الأدب والاحترام، ومبقتش تجرؤ تفتح بقها بنبرة التعالي بتاعة زمان. الشيكات سددتها لها مباشرة للمحامي، وأخدت منه مخالصة عشان أضمن إن فلوسي راحت في مكانها ومحدش يلعب بيها من ورايا، وبقت هي وجوزها شغالين يكافحوا عشان يسدوا بقية ديونهم اللي ملهاش أول من آخر.
أما أمي وأبويا، فالمصروف الشهري بيوصلهم في أول كل شهر عربي مع شنطة طلبات فيها كل خير ربنا، علاجهم بيجي لحد باب البيت، بس كله بحساب؛ مفيش مليم بيفوت من تحت إيدي إلا وأنا عارف رايح فين وليه.
في يوم جمعة، كنا معزومين عند أبويا وأمي في بيت العيلة، ودي كانت أول عزمة رسمية بعد الصلح.
أول ما دخلنا من الباب، لقيت أمي مجهزة السفرة وميت حكاية ورواية، ومقعدة عيالي فريدة ويوسف في صدر السفرة، على الكراسي الرئيسية اللي كان بيقعد عليها عيال بسمة.
أمي قربت من فريدة وبستها وقالتلها دوقي يا قلب تيتة المحشي ده، أنا عاملاه مخصوص عشانك وعارفة إنك بتحبيه.
بصيت ل سارة مراتي، وابتسمنا لبعض ونظرتنا كانت واضحة؛ الناس مابتتغيرش بالود والمحايلة، الناس بتتغير لما تعرف إنك تقدر تستغنى وتقدر توجع لو حقك ضاع.
وأحنا قاعدين بنشرب الشاي بعد الأكل، أبويا طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة، وقدمها ل سارة مراتي وقالها دي حاجة بسيطة يا بنتي.. دي غويشة دهب كانت بتاعة والدتي الله يرحمها، كنت شيلها للزمن، وأنا شايف إن مفيش حد يستحقها في العيلة دي غيرك.. أنتِ صونتي ابننا ووقفتي جمبه، وعلمتينا إحنا شخصياً إزاي نحترم بيته وعياله.
سارة مكانتش متوقعة الهدية دي، عينيها دمعت وبصتلي، وهزيت لها راسي إنها تقبلها. أخدتها وباست إيد أبويا وشكرته بدعاء طالع من قلبها.
في اللحظة دي، حسيت إن القصة اتقفلت صح.
أنا مكنتش عايز أخرب بيت أهلي، ولا كنت عايز أعيش مقاطع ليهم وأموت عاق، أنا كل اللي كنت عايزه إني أعيش إنسان في وسطهم، مش مكينة فلوس بندوس على زرارها فتنزل جنيهات، ولما تطلب حقها تتداس بالرجلين.
الدين الإسلامي علمنا صلة الرحم والبر بالوالدين، وعلمنا كمان إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. القوة مش بالصوت العالي ولا
بالخناق والشتيمة، القوة الحقيقية هي إنك تحط حدود واضحة لكل بشر في حياتك، حتى لو كانوا أقرب الناس ليك.
لما رجعنا بيتنا بالليل، وعيالي دخلوا ناموا في أوضتهم وهما حاسين بأمان وفخر بأبوهم، قعدت أنا وسارة في البلكونة بنشرب كوبايتين شاي ب نعناع في هدوء اليل.
سارة بصتلي وقالتلي تفتكر يا كريم، لو كنت سكت يوم الحفلة، كان زماننا فين دلوقتي؟
أخدت نفس طويل وقولتلها كان زماننا لسه قاعدين ورا الشجر في الظلمة يا سارة.. والعيال طالعين مهزوزين ومكسورين.. الحمد لله إن ربنا نور بصيرتي في الوقت المناسب.
القصة دي مش قصتي لوحدي، دي قصة كل واحد بيجي على نفسه وبيته عشان يرضي ناس مابيرضيهم أصلًا العجب. نصيحتي لكل راجل وكل صاحب بيت أهلك فوق راسك بالمعروف والبر، بس بيتك وعيالك وكرامتهم خط أحمر.. متسمحش لمخلوق يكسر خاطر حتة منك، عشان اللي بيمشي مطأطأ راسه مرة، بيفضل طول عمره عايش في الظل.

 

تم نسخ الرابط