عيد ميلاد امي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


كان بيأكلني وهو فرحان، وفريدة ضحكتها رجعت تنور وشها تاني، وسارة مراتي بصتلي ونظرة عينيها كانت بتقول أخيراً فقت يا كريم.
بعد ساعة، بدأت المهازل.
المعازيم قاعدين مستنيين العشاء، والويترز داخلين بصواني عليها كبايات شاي وفناجين قهوة وأطباق فيها قطعتين باتيه وبيتزا صغيرة!
أبويا وشّه جاب ألوان، وبدأ يتلفت حواليه ويزعق في الويترز إيه القرف ده؟ فين البوفيه؟ فين اللحمة والفراخ والتورتة؟
وأختي بسمة بدأت تصرخ في المشرف أنتوا نصابين! إحنا دافعين فستق وبوفيه مفتوح!
المشرف بكل برود وثقة طلع التابلت وقام مشغل المايك بتاع القاعة وقال بصوت عالي سمعه الكل يا فندم، الأستاذ كريم مهران هو اللي دافع، وهو اللي لغى البوفيه والخدمة ال VIP قبل الحفلة بشوية، وطلب يقتصر الواجب على الشاي والنواشف بس.. ودي إمضاءته!
العيون كلها لفت وبصت عليا في ركن الشجر والظلمة اللي رمونا فيه.
أمي قامت تقرص في هدومها النبيتي وجت تجري عليا وهي بتزعق أنت اتجننت يا كريم؟ بتفضحنا قدام قرايبنا والناس؟ عايز تصغرنا؟
وأبويا جه وراها وعينه بطق شرار إيه قلة الأصل دي؟ بتبخل على أمك في يوم زي ده؟
وقفت بكل ثبات، وحطيت إيدي في جيبي وبصيتلهم ببرود عمري ما حسيته قبل كده.
قولت لأمي بصوت مسموع للترابيزات اللي جمبنا والله يا أمي، زي ما أنتي قولتي بالظبط.. مش كل حاجة لازم تتمحور حوالين عيالك! والناس لازم تفهم إن مش دايماً هياخدوا أحسن حاجة في الدنيا.. أنا قولت أطبق حكمتك على المعازيم وعليكم عشان تتعلموا الدرس.
وبصيت لأبويا وقلتله والفلوس اللي وفرتها من كسر خاطر عيالي، هسفرهم بيها مصيف نضيف يفكوا فيه عن نفسهم، بدل ما أدفعها لناس شايفين عيالي زيادة وملهمش مكان.
أختي بسمة بدأت تصوت والناس اللي بره؟ والفضايح؟
قولتلها امشي ادفعي أنتِ من جيبك يا بسمة.. مش أنتي البكرية المدللة؟ وريهم شطارتك وسلكي الليلة.
لميت حاجتي، وأخدت الكارت المعوج اللي ابني يوسف كان عامله لجدته وقطعته قدامهم ورميته في باسكيت الزبالة اللي جمب الشجرة.
مسكت إيد مراتي وعيالي، ومشينا ورا السجادة الحمراء وسط ذهول العيلة كلها اللي كانت بتبص لنا ومحدش قادر ينطق بكلمة. لأول مرة من سنين، أحس إني حر، وإني مش مجرد خزنة فلوس ماشية على الأرض. لأول مرة أحس إني راجل بجد وقدرت أحمي ولادي وكرامتهم من اللي كان بيقهرهم باسم صلة الرحم.
خرجنا من القاعة وأنا حاسس إن جبل كان شاله ظهري ونزل. الهوا بره كان بارد ونضيف، وكأن أول مرة اتنفس بجد من سنين. سارة كانت ماسكة إيدي بتطمن عليا، والعيال كانوا فرحانين بالأكل اللي جبناهولهم ومكنوش فاهمين أوي حجم الإعصار اللي سيبناه ورا المباب.
طول الطريق للمبيت، تليفوني م بطلش رن. أبويا، أمي، بسمة، وحتى قرايبنا اللي مكنتش بشوفهم غير من السنة للسنة وبيدوروا على جنازة يشبعوا فيها لطم. قفلت التليفون خالص ورميته في التابلوه. الليلة دي مش بتاعتهم، الليلة دي بتاعة عيالي.
تاني يوم الصبح، فتحت الموبايل. كمية رسائل الواتساب والشتائم كانت كفيلة تهد حيطة.
رسالة من أبويا كاتب فيها أنت مبقتش ابني، ولا نعرفك ولا تعرفنا ليوم الدين، فضحتنا وخليت اللي يسوى واللي ميسواش يتفرج علينا.
ورسالة من بسمة حبيبة عينك سارة هي اللي قوتك علينا، حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفيها، خربت بيت أختك والناس بتاكل وشي بسبب الفاتورة اللي اضطريت أمضي عليها شيكات عشان نغطي بقية المصاريف.
ضحكت من قلبي.. بسمة اضطرت تمضي شيكات! يعني أخيراً عرفوا إن الحاجة بتتدفع بفلوس مش بال كريم هيتصرف.
أمي مبعتتش رسايل، بس كلمت خالتي الكبيرة، وخالتي كلمتني وهي عتبانة يا كريم، مهما كان دول أهلك، والأم ملهاش غير ابنها، اللي عملته قاسي أوي يا ابني.
قولتلها بكلمتين اتنين يا خالتي، اللي يكسر خاطر عيالي عشان يرضي منظره قدام الناس، ملوش عندي خاطر. أنا ياما اتكسر خاطري وقولت أهلي، لكن لحد ولادي.. والخط الأحمر ينور. هما اختاروا يقعدوا ولاد بسمة في الكوشة ويقعدوا ولادي في الزبالة، وأنا اختارت أحط فلوسي في جيب ولادي.
الشهر اللي بعده كان اختبار حقيقي.
أبويا تعب ومكنش معاه تمن الكشف والتحاليل، وبسمة تليفونها اتقطع عشان مدفعتش الفاتورة. زمان، كنت هجري وأحول فلوس وأستلف لو مش معايا. المرة دي؟ مبعتتش مليم. بعت لأبويا رسالة قولتله فيها ألف سلامة عليك يا حاج، خلي بسمة وعيالها الأميرات والباشوات اللي قعدوا في صدر القاعة يشيلوا عنك.. أنا عيالي طالعين مصيف وميزانيتي على قدهم.
الكل اتصدم لما عرفوا إن كريم اتقلب وبقى حجر. هما مكنوش بيحبوني أنا، هما كانوا بيحبوا الفيزا بتاعتي. ولما الفيزا اتقفلت، الوشوش الحقيقية ظهرت.
دلوقتي، وأنا قاعد على شط البحر في مطروح، ببص ل فريدة ويوسف وهما بيجروا ورا الموج وبيضحكوا من قلبهم، وسارة قاعدة جمبي بتشرب شاي وبتشسم ب روقان.
ندمان؟ ولا ثانية.
البر بالوالدين فرض وعيني والشرع قاله، بس البر مش معناه إنك تكون مغفل أو تسيب أهلك يربوا عقد النقص بتاعتهم في عيالك. أنا حَميت بيتي، وحميت كرامة ولادي، وده أهم مشروع نجحت فيه في حياتي كلها.
مرت الأيام، وبدأ الكل يستوعب إن كريم القديم مات ومبقاش موجود.
في أول جمعة من شهر رجب، لقيت الباب بيخبط. فتحت، لقيت أبويا واقف قدامي. وشه كان باين عليه التعب والكسرة، ومبقاش فيه نظرة الفوقية والتحكم بتاعة زمان.
وقفت على
 

تم نسخ الرابط