الخادمه اكتشفت

لمحة نيوز

دي كانت أول جملة سمعتها “مريم السيوفي” في أسوأ ليلة عدّت عليها في حياتها… بعد ما اكتشفت راجل متكتّف بالسلاسل تحت أفخم قصر في التجمع الخامس.
لحد الليلة دي، حياة مريم ما كانتش غير جري ورا النجاة.
تنضف بيوت الناس… تركب مواصلات بالساعات… تزور أمها في مستشفى القصر العيني… تنام أربع ساعات بالعافية… وتصحي تعيد نفس الدوامة من الأول.
كان عندها ستة وعشرين سنة، إيديها متشققة من الكلور، وعينيها غرقانة إرهاق من الشغلانتين، وأمها محجوزة في المستشفى بسبب الفشل الكلوي، وكل فاتورة علاج كانت بتحسسها إن المستقبل نفسه بيتباع قدامها وهي مش قادرة تدفع تمنه.
قصر عائلة “الدهشوري” كان مختلف عن أي مكان اشتغلت فيه قبل كده.
من برّه، المكان كان شبه الحلم: أسوار حجر أبيض عالية، جنينة متقصوصة بدقة، نافورة شغالة ليل نهار، وكاميرات مراقبة مستخبية بذكاء يخليك تحس إنها جزء من الديكور.
لكن من جوّه…
كان فيه حاجة غلط.
رخام إيطالي يلمع كأنه مراية، لوحات بملايين، رجال أمن لابسين سماعات في ودانهم، وكاميرات في كل طرقة… والخدم بيتكلموا بصوت واطي كأن الحيطان نفسها بتسمع.
“كمال الدهشوري” ومراته “ليلى” كانوا من أشهر رجال الأعمال في مصر.
الناس تشوفهم في البرامج وهم بيتبرعوا للمستشفيات،

ويحضنوا الأطفال الأيتام، ويتكلموا عن الرحمة والإنسانية… بينما العاملين عندهم بياكلوا واقفين في مطبخ ضيق من غير شبابيك.
في أول يوم شغل ليها، كبيرة الخدم “الحاجة نعمات” بصّت لمريم وقالت بصوت ناشف:
— ممنوع أي حد ينزل بعد أوضة النبيذ… وممنوع أي حد يسأل إيه اللي تحت… والأحسن محدش يعرف.
ومريم ما سألتش.
الفقر بيعلّم الطاعة أسرع من الخوف.
لكن في ليلة من ليالي نوفمبر، المطر كان بيخبط على القصر كأن السما بتنتقم.
كان فيه عشا خاص فوق… وزراء ورجال أعمال ومستشارين قاعدين على السفرة… وفجأة النور قطع.
صوت ستات صرخت.
كوباية اتكسرت.
ورجالة الأمن جريوا ناحية البوابة بعد ما شجرة وقعت بسبب الهوا وكسرت جزء منها.
وبعدين… المولد الاحتياطي عطّل هو كمان.
الحاجة نعمات دخلت المطبخ بسرعة وهي ماسكة كشاف تقيل، وشها شاحب لكن صوتها حاد:
— يا مريم… انزلي أوضة الكهرباء اللي بعد قبو النبيذ. هتلاقي ذراع أحمر. ارفعيه واطلعي على طول.
مريم بلعت ريقها.
— بس حضرتك قولتي محدش بينزل هناك…
الحاجة نعمات قربت منها وقالت ببرود:
— وأنا قلت كمان إن اللي بيشتغل هنا بينفذ وبس.
الهوا تحت كان تقيل وبارد ورطب.
مريم نزلت السلم ببطء وسط حيطان حجرية، وعدّت جنب زجاجات نبيذ تمن الواحدة فيهم
ممكن يعالج أمها شهر كامل.
وفي آخر القبو، بعد الرفوف والخزن المقفولة، كان فيه باب حديد.
عادة بيكون عليه جهاز بصمة منوّر بالأخضر.
النهاردة… كان مطفي.
والباب موارب.
مريم ثبتت مكانها.
في الأول سمعت صوت المطر فوق.
بعدها… صوت مية بتنقط.
ثم…
صوت معدن بيتحرك في الضلمة.
سلسلة.
كان المفروض تلف وترجع.
كان المفروض تكذب وتقول إنها ملقتش المفتاح.
كان المفروض تفضل غير مرئية زي طول عمرها.
لكنها دفعت الباب.
نور الكشاف كشف أوضة خرسانة باردة، مصرف صدّي، ترابيزة معدن عليها شاش ملوّث بالدم، وجردل مية وسخة… وبقع غامقة على الأرض.
ماكانش فيه لوحات كهربا.
ولا مخزن.
كان فيه راجل.
متربط في كرسي حديد متثبت في الأرض، صدره مليان كدمات وجروح قديمة، إيديه متكتفين ورا ضهره، ورجليه متسلسلين بقيود تقيلة.
راسه كانت واقعة لتحت كأنه خلاص فقد القدرة حتى يرفعها.
مريم شهقت.
ليلى الدهشوري فضلت باصة لمريم كام ثانية طويلة… ابتسامتها ثابتة بشكل مرعب، كأنها عارفة كل حاجة حصلت تحت.

— الكهربا رجعت بسرعة… شكلك شاطرة.

مريم حاولت تسيطر على رعشة إيديها.

— لقيت الذراع وشغلته يا هانم.

ليلى قرّبت منها ببطء… ريحة البرفان الغالي ممزوجة بحاجة باردة خلت مريم نفسها يتقبض.

— ونزلتي لوحدك؟

— أيوه.

— وشوفتي حاجة؟

السؤال خرج هادي جدًا… لكن فيه تهديد يخوف أكتر من الصريخ.

مريم هزت راسها بسرعة.

— لا يا هانم.

ليلى فضلت باصة في عينيها ثواني، كأنها بتحاول تدخل جوا عقلها.

وبعدين ابتسمت.

— كويس… لأن الفضول في البيت ده بيقتل.

لفّت ومشيت ناحية الصالون الكبير، وسيبت مريم واقفة مكانها ورجلها مش شايلة جسمها.

في الليلة دي… مريم ما نمتش.

كل ما تغمّض عينيها تشوف الراجل المتسلسل في الضلمة… وتشوف نظرته.

“كمال الدهشوري أوحش مما الناس تتخيل.”

الصبح، القصر رجع كأنه لوحة مثالية.

السفرة مليانة أكل فاخر… الضحك عالي… والخدم بيتحركوا بسرعة بصمت.

كمال الدهشوري كان قاعد على رأس الترابيزة، لابس بدلة رمادي فاتح، وبيضحك مع ضابط شرطة كبير كأن مفيش إنسان متعذب تحت بيته.

أما ليلى… فكانت تشرب قهوتها بهدوء وهي تراقب مريم من بعيد.

وفجأة…

— يا مريم.

صوت كمال خلا قلبها يقع.

— أيوه يا فندم؟

ابتسم وهو بيقطع قطعة لحمة في طبقه.

— والدتك عاملة إيه دلوقتي؟

السكينة وقفت في إيده للحظة.

مريم حسّت الدم انسحب من وشها.

— الحمد لله… أحسن شوية.

— مستشفى القصر العيني غالي اليومين دول… صح؟

ما ردّتش.

هو رفع عينه عليها بابتسامة باردة.

— متقلقيش… الناس

المخلصة لينا… عمرنا ما بنسيبها.

في اللحظة دي، مريم فهمت.

هو عارف كل حاجة عنها.

عن أمها.

عن المستشفى.

عن حياتها كلها.

تم نسخ الرابط