خاله شتم امه
الجو في قرية "سانت لوكاس" كان ساكت بطريقة تخوف… لا صوت غير الهوا وهو بيخبط في صفيح البيوت القديمة، وصوت الحجارة وهي بتقع في المحجر زي صريخ مكتوم طالع من جوف الأرض. لكن اللحظة اللي نزل فيها "مازن" من عربيته المصفحة، الدنيا كلها وقفت. حتى العمال اللي كانوا متعودين يشوفوا الذل كل يوم، رفعوا راسهم لأول مرة.
مازن كان واقف ببدلته السودة ونظارته الغامقة، لكن اللي يشوف عينيه يعرف إن جواه نار قادرة تحرق بلد كاملة. بصل لأمه المرمية على الأرض، ركبهـا كلها تراب ودم، نفسها متقطع، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تقوم قبل ما الكرباج ينزل عليها.
إيفارستو ضحك بسخرية وهو لسه رافع الكرباج وقال: — وإنت بقى مين يا نجم السينما؟ جاي تدافع عن العجوزة دي؟
مازن مشي ناحيته خطوة واحدة… خطوة خلت الحصان نفسه يرجع لورا من الخوف.
قال بصوت واطي لكنه مرعب: — نزل الكرباج… قبل ما أدفنك بيه.
العمال بصوا لبعض بخضة. محدش عمره كلم إيفارستو بالطريقة دي. الراجل كان بيحكم المحجر والقرية كلها بالخوف والديون والسلاح.
رامي، خال مازن، حاول يتماسك وقال وهو بيضحك بتوتر: — يا سلام! مازن رجع؟! ابن أختي حبيب خاله! عامل فيها مهم أوي ليه؟ ده إحنا كنا فاكرينك مت في الغربة!
مازن لفله ببطء… النظرة اللي بصلها له كانت كفاية تخلي الدم يتجمد في عروقه.
— متّ؟ لا… أنا كنت ببني إمبراطورية. وأنت كنت بتبيع أمي للعبودية.
الست ستيتة أول ما شافته قرب منها، دموعها نزلت وهي مش مصدقة: — مازن… ابني؟ بجد أنت؟
ركع قدامها فورًا، من غير ما يهتم بالتراب اللي على بدلته، ومسح الدم من إيديها بإيده
الست حضنته وعيطت بحرقة: — كنت عارفة إنك هترجع… قلبي كان حاسس.
لكن إيفارستو قاطع المشهد وهو بيزعق: — خلصنا من المسلسل ده! العجوزة دي عليها دين، والمحجر كله شاهد. لو مش هتدفع، هاخد الأرض والبيت واللي فاضل من عمرها!
مازن وقف بهدوء… الهدوء اللي قبل الإعصار.
طلع تليفونه، ضغط زر واحد بس.
بعد أقل من دقيقة… عشر عربيات سودا دخلوا المحجر دفعة واحدة. رجال ضخام لابسين بدل نزلوا بسرعة وانتشروا في المكان. العمال اتراجعوا بخوف، وإيفارستو وشه اصفر.
واحد من الرجال قرب من مازن وقال: — كل حاجة جاهزة يا فندم.
مازن أخد ملف أسود من إيده، ورماه في وش إيفارستو.
الراجل فتح الملف… ووشه اتحول لجثة.
عقود مزورة. توقيعات مزيفة. قوائم تهريب. رشاوي. صور.
وأسوأ حاجة… تسجيلات صوتية بصوته.
مازن قال ببرود: — المحجر ده متراقب بقالي 6 شهور. وكل نفس خدته هنا متسجل. أنت مش بس بتستعبد الناس… أنت كمان بتغسل فلوس وبتبيع سلاح.
رامي بلع ريقه وقال: — مازن… يا ابني… إحنا أهل…
مازن بصله فجأة وزعق لأول مرة: — متقولش إني ابنكوا! الراجل الحقيقي ميبيعش أخته عشان حفنة فلوس!
وراح ناحيته بسرعة خلت رامي يقع على الأرض من الرعب.
— أمي كانت بتجوع عشان تعلمني… وأنت كنت بتعد فلوس الفوايد عليها وهي بتموت بالبطيء؟!
رامي عيط وقال: — غصب عني… إيفارستو كان هياخد الأرض!
— والأرض أغلى من أختك؟!
سكت رامي… لأنه عارف إن مفيش رد.
وفجأة سمعوا صوت صفارات شرطة جاية من بعيد. إيفارستو اتلفت بخضة: — أنت بلغت عني؟!
مازن ابتسم لأول
— لا… أنا اشتريت الناس اللي فوقك.
وفي ثواني، قوات الشرطة نزلت على المكان، ومعاهم أوامر قبض دولية. العمال اتصدموا لما عرفوا إن مازن بقى واحد من أكبر رجال الأعمال في أوروبا، وإن شركته اشترت نص المواني اللي إيفارستو كان بيهرب منها.
إيفارستو حاول يهرب بحصانه، لكن واحد من رجال مازن شده من هدومه ورماه في التراب قدام العمال كلهم.
مازن قرب منه وقال: — فاكر لما قلت لأمي "يا عجوزة يا فاشلة"؟
إيفارستو سكت والرعب مالي عينه.
مازن مسكه من ياقة قميصه وقال: — العجوزة دي هي اللي صنعت راجل يقدر يمحيك من الدنيا بكلمة.
العمال بدأوا يهمسوا: — دي أمه؟ — معقول الست ستيتة تبقى أم الملياردير ده؟ — يا نهار أبيض…
لكن الصدمة الأكبر كانت لما مازن طلب من رجاله يفتحوا شاحنات كبيرة كانت واقفة بره المحجر.
أكياس أكل. أدوية. هدوم. فلوس.
مازن بص للعمال وقال: — من النهارده… المحجر ده اتقفل. وكل واحد هنا ليه تعويض وشغل محترم. محدش هيتهان تاني.
الناس بدأت تعيط من الفرحة.
واحدة ست كبيرة جريت تبوس إيد الست ستيتة وهي بتقول: — والله يا ستي كنتي أشرف واحدة فينا.
الست ستيتة بكت وهي شايفة ابنها واقف زي الجبل.
لكن مازن مكانش خلص.
لف لرامي وقال: — تعرف إيه أصعب من الفقر؟
رامي سكت.
— إن الواحد يبيع دمه بنفسه.
وبهدوء مرعب، سلّم ملف تاني للشرطة.
الضابط فتحه واتصدم: — ده فيه توقيعك على بيع أراضي أهل القرية كلها!
رامي جثى على الأرض: — كنت مديون! والله غصب عني!
مازن رد ببرود: — وأمي كانت مديونة… بس عمرها ما باعتك.
الشرطة أخدت
الست ستيتة دموعها نزلت، لكنها قالت جملة كسرت قلب القرية كلها: — أنا سامحتك من زمان… بس ربنا عمره ما بينسى.
وفي الليل… مازن أخد أمه فوق التل اللي كانت بتحب تقعد عليه زمان. جابلها بيت جديد، أبيض وكبير، جنينة مليانة ورد، وشرفة بتطل على النهر.
الست ستيتة كانت ماشية جوه البيت وهي مش مصدقة: — كل ده ليا؟
مازن باس راسها وقال: — ده أقل من حقك… أنتِ دفعتِ عمرك كله عشان أعيش.
وبعد شهرين، القرية كلها اتغيرت. المدارس اتبنت من جديد، المستشفى اتصلحت، والمحجر اتحول لمصنع كبير يشغل الناس بكرامة.
وأول تمثال اتحط في نص القرية… مكانش لمازن.
كان للست ستيتة.
وتحت التمثال اتكتب: "هنا عاشت امرأة فقيرة… لكنها ربّت رجلًا هزّ العالم."
القرية كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت يوم ما الشرطة أخدت "إيفارستو" و"رامي"، ويوم ما "مازن" حوّل المحجر من مكان للذل لمشروع يفتح بيوت الناس. لكن الحقيقة إن اللي حصل كان مجرد البداية… لأن العداوة الحقيقية لسه ما بدأتش.
بعد 3 شهور، "سانت لوكاس" بقت مختلفة تمامًا. الطرق اترصفت، البيوت ادهنت، والمدرسة اللي كانت شبه الخرابة بقى فيها أجهزة كمبيوتر وأطفال بيضحكوا بدل البكا. الناس بقت تبص للست ستيتة كأنها أم القرية كلها، وكل يوم الصبح كانت تنزل تقعد وسط الستات البسيطة تشرب شاي وتضحك، رغم إن ابنها بقى من أغنى رجال الأعمال في العالم.
لكن في ليلة مطر سودا… كل حاجة اتقلبت.
مازن كان قاعد في مكتبه الزجاجي فوق أعلى برج يملكه في العاصمة،
مازن رفع عينه ببرود: — ليه؟