البنت الجعانه بقلم زيزي
مبتحبش اللي زيي.
آسر مد إيده ليها بثبات
المكان ده بتاعي.
بصت لإيده كام ثانية
وبعدين حطت إيدها الصغيرة فيها.
إيدها كانت متلجة.
دخلوا الشركة، وأول ما الأمن شاف آسر، كلهم وقفوا فورًا.
صباح الخير يا فندم.
لكن عيونهم راحت مباشرة على مريم.
طفلة هدومها قديمة وجزمتها مقطوعة ماشية جنب صاحب أكبر شركة في البلد.
الاستغراب كان واضح.
آسر لمح النظرات دي كلها، فقال بحدة خفيفة
دي ضيفتي.
وفورًا الكل سكت.
عند الريسبشن، السكرتيرة دينا قربت بسرعة وهي متوترة
البشمهندس، الاجتماع بدأ وكل المستثمرين مستنيين حضرتك.
آسر أشار لمريم
دي مريم هتستنى هنا.
ثم بص لدينا بنظرة حادة
تتأكدوا إنها تاكل وتشرب وماحدش يضايقها.
أكيد يا فندم.
مريم بصت حواليها بانبهار.
الرخام اللامع
النجف الكبير
الناس اللي لابسة شيك
كل حاجة كأنها عالم تاني.
قبل ما يدخل المصعد، آسر بص لمريم وقال
أوعدك أول ما الاجتماع يخلص هناكل سوا.
مريم سألته بصوت صغير مليان خوف
وإنت مبتخلفش وعدك؟
السؤال وجعه أكتر مما توقع.
قرب منها وقال بصدق
لا المرة دي لأ.
ولأول مرة من سنة كاملة
ابتسم آسر الجارحي ابتسامة حقيقية.
لكن في نفس اللحظة
وفي الدور الأربعين تحديدًا
كان رجل واقف خلف زجاج مكتبه الفخم، بيتابع كاميرات الشركة ببرود.
ولما شاف مريم
اللون اختفى من وشه فجأة.
وقام واقف وهو يهمس بصدمة
مستحيل البنت دي لسه عايشة؟!الرجل كان اسمه كمال عزام
الشريك القديم لآسر الجارحي.
والرجل الوحيد اللي يعرف
إيده اترعشت وهو بيكبّر صورة مريم على شاشة المراقبة.
نفس العيون
نفس الملامح.
مش ملامح أمها بس
لا.
ملامح ياسين.
اتراجع خطوة للخلف وهو قلبه بيدق بعنف.
إزاي؟!
في اللحظة دي، الباب خبط ودخلت دينا بسرعة
أستاذ كمال، الاجتماع هيبدأ.
لكن كمال كان سرحان تمامًا.
عينه مثبتة على الشاشة.
على البنت الصغيرة اللي المفروض ما تكونش موجودة أصلًا.
قال فجأة
البنت اللي تحت دي مين دخلها؟
دينا استغربت
مع البشمهندس آسر.
كمال حس الدم بيتسحب من وشه.
خلي الأمن يطلعوها فورًا.
دينا اتفاجئت
بس آسر بيه بنفسه
نفذي اللي قولته!
صوته العالي خلاها تسكت فورًا.
في نفس الوقت
كانت مريم قاعدة على كرسي ضخم في الريسبشن، ماسكة كوب شوكولاتة سخنة بإيديها الصغيرة، وباصّة حواليها بتوتر.
واحدة من الموظفات قربت منها بلطف
تحبي أجيبلك أكل؟
مريم هزت راسها بسرعة كأنها مش متعودة حد يعرض عليها حاجة حلوة.
وبعد دقائق، اتحط قدامها ساندويتشات وحلويات وعصير.
فضلت تبص للأكل كام ثانية كاملة
كأنها خايفة يختفي.
ثم همست
كل ده ليا؟
الموظفة ابتسمت
آه يا حبيبتي.
مريم بدأت تاكل بسرعة من شدة الجوع، لكن بعد أول لقمتين وقفت فجأة.
وبدأت تلف منديل وتحط فيه نص الساندويتش.
الموظفة سألتها باستغراب
بتعملي إيه؟
مريم ردت ببساطة
لأمي لما تصحى.
الكلمة كسرت قلب الست.
وفجأة
اتفتح باب المصعد بعنف.
وخرج اتنين أمن.
إنتِ البنت اللي اسمها مريم؟
مريم قامت بخوف فورًا.
آه
واحد
لازم تمشي دلوقتي.
الموظفة اعترضت بسرعة
بس دي ضيفة آسر بيه!
الأمن بص لبعضه بتوتر.
واضح إن الأوامر جاية من حد أعلى.
إحنا بننفذ تعليمات.
مريم بدأت ترجع لورا بخوف، حضنت المنديل اللي فيه الأكل لصدرها وقالت بصوت مرتعش
بس هو وعدني
وقبل ما حد يرد
صوت قوي دوّى في المكان
في مشكلة؟
الكل بص ناحية المصعد.
آسر خرج من الاجتماع قبل ما يبدأ أصلًا.
كان واضح إنه غضبان.
الأمن اتوتر فورًا
يا فندم جات أوامر إن البنت
مين اللي أصدر الأوامر دي؟
صمت.
ثم ظهر كمال عزام وهو ماشي ناحيتهم بابتسامته الباردة المعتادة.
أنا.
عيون آسر ضاقت فورًا.
وليه؟
كمال رد بهدوء مصطنع
عشان الشركة مش مكان للأطفال المشردين.
مريم نزلت عينيها للأرض فورًا.
لكن آسر رد بحدة
اسمها مريم ومش هتمشي.
كمال قرب أكتر وهو بيبص للبنت بتوتر غريب مستخبيه بصعوبة.
إنت متعرفش دي مين.
الجملة خلت آسر يعقد حاجبه.
تقصد إيه؟
كمال بص لمريم للحظة طويلة
لدرجة خلتها تخاف وتستخبى ورا آسر بدون ما تحس.
وفي اللحظة دي تحديدًا
كمال لمح حاجة كانت متعلقة في رقبتها.
سلسلة صغيرة قديمة.
فيها نصف قلب فضي مكسور.
كمال شحب تمامًا.
لأنه يعرف السلسلة دي.
عارفها كويس جدًا.
دي نفس السلسلة اللي كانت مع الست اللي اختفت من حياة آسر من سبع سنين
الست اللي كانت حامل وقتها.
واللي كمال بنفسه خلاها تختفي.
آسر لاحظ تغير وشه فورًا.
مالك؟
كمال حاول يتمالك نفسه، لكن صوته خرج متوتر
السلسلة دي جابتها منين؟
مريم مسكت السلسلة بسرعة وقالت بخوف
دي بتاعة ماما.
اسم أمك إيه؟
ليلى السيوفي.
وفجأة
الصمت ضرب المكان كله.
وآسر حس قلبه وقف.
الاسم رجّ فيه ذكرى قديمة دفنها من سنين
الست الوحيدة اللي حبها فعلًا.
الست اللي اختفت فجأة قبل ما يعرف إنها حامل آسر ثبت عينه على مريم وكأن الدنيا كلها اختفت حواليه.
قولتي اسمها إيه؟
مريم بلعت ريقها بخوف
ليلى السيوفي.
إيد آسر بدأت ترتعش.
نفس الاسم
نفس السلسلة
ونفس العيون اللي كان فاكر إنه نسيها.
رجع بذاكرته سبع سنين لورا
لما كان لسه شاب بيحاول يبني شركته، ولما قابل ليلى لأول مرة في معرض كتب.
كانت مختلفة عن كل البنات اللي عرفهم.
هادية ذكية وبتضحك بعينيها قبل شفايفها.
حبها بسرعة مخيفة.
ولأول مرة وقتها، حس إنه عايز يبقى إنسان عادي مش مجرد راجل أعمال بيجري ورا الفلوس.
لكن فجأة
اختفت.
من غير أي تفسير.
رقمها اتقفل.
شقتها اتمسحت من الوجود.
حتى أصحابها قالوا إنهم مايعرفوش راحت فين.
وقتها كمال أقنعه إن ليلى استغلته وسافرت مع واحد تاني بعد ما أخدت فلوس.
آسر صدّقه
غصب عنه.
لأن الوجع كان أسهل من الانتظار.
لكن دلوقتي
كل حاجة بدأت تتكسر.
بص لمريم تاني، ولاحظ حاجة عمره ما خد باله منها قبل كده.
في عينها اليمين
نفس العلامة الصغيرة اللي كانت عنده هو وياسين.
نفس الوراثة النادرة في لون القزحية.
قلبه دق بعنف.
ومخه بدأ يربط كل حاجة ببعضها بطريقة مرعبة.
كمال حس بالخطر فورًا.
فقاطع اللحظة بسرعة وقال
آسر الاجتماع
لكن آسر كان باصص لمريم وكأنه بيدور على عمر كامل ضاع منه.
قرب منها بهدوء، ونزل لمستواها.
مريم عندك صورة لمامتك؟
مريم هزت راسها بسرعة، وطلعت من جيب الجاكيت صورة قديمة