في فحص الاسبوع
في فحص الأسبوع العشرين من حملي، بدأت الطبيبة ترتجف.
ليس بشكل خفيف بل ارتجاف حقيقي. توقفت يدها فوق الشاشة، وتغير وجهها فجأة من هدوء مهني إلى قلق واضح. ثم نظرت إليّ، ونظرت نحو الباب، وهمست بصوت منخفض جدًا
يجب أن تغادري الآن وتطلبي الطلاق.
ضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك بل لأنه غير منطقي.
كنت مستلقية، وزوجي ريان في الخارج يرد على مكالمة، وهذا اليوم كان من المفترض أن يكون من أسعد أيام حياتي بعد سنوات من المحاولات والخسارات
قلت لها
لماذا؟
قالت
ستفهمين عندما ترين هذا.
ثم أدارت الشاشة قليلًا
وأشارت ليس إلى الجنين
بل إلى الانعكاس على طرف الشاشة..........اتجمدت في مكاني.
عينيا راحت غصب عني ناحية الشاشة… وبعدين ناحية ورايا.
ما كانش فيه حاجة.
بس الدكتورة كانت لسه باصة لنفس النقطة، كأنها شايفة حاجة أنا مش شايفاها.
بلعت ريقي وقلت بصوت مكسور: “فيه إيه… في حد ورايا؟”
ما ردّتش فورًا.
إيديها كانت بتقفل على جهاز السونار جامد كأنها بتحاول تتمسك بأي حاجة ثابتة.
وبعدين همست: “ما تلتفتيش.
الجملة دي خلت قلبي يقع.
بس متأخر… لأن عيني بدأت تتحرك لوحدها ناحية اليمين… ناحية المراية الصغيرة اللي في أوضة الفحص.
وشفت.
مش شخص واقف.
كان ظل… واقف قريب مني جدًا.
بس الغريب… إن مفيش حد في الغرفة غيري أنا وهي والدكتورة.
اتحشر صوت ريان فجأة بره، بيضحك في التليفون، كأنه في عالم تاني.
الدكتورة قامت بسرعة وقالت وهي بتفتح الباب نص فتحة: “اخرجي من هنا حالًا… وماتقابليش جوزك دلوقتي.”
أنا صوتي ارتعش: “هو له علاقة؟!”
سكتت ثانية… سكون تقيل، وبعدين قالت جملة خلت دمي يتجمد:
“اللي في بطنك… مش أول مرة يتحط جواكي.”
في اللحظة دي، النور في الأوضة يومض.
وصوت جهاز السونار اشتغل لوحده…
وصورة الجنين على الشاشة بدأت تتغير.
مش بيتحرك.
بيفتح عينيه.رجليا خدتني من الصدمة.
مش قادرة أتنفس… الصورة اللي على الشاشة كأنها بتسحبني جواها.
“ده كذب…” همست وأنا ببص للدكتورة. “قولي إن ده جهاز بايظ…”
بس وشها كان بيقول العكس.
هي مش بس خايفة… هي متأكدة.
ريان قرب أكتر، وصوته بقى هادي بشكل مرعب: “كل مرة بنحاول نسيب
بصيت له وأنا مش مستوعبة: “كل مرة؟ إنت بتتكلم عن إيه؟!”
الدكتورة مسكت في إيدي فجأة وقالت بسرعة: “إنتي مش أول حمل ليكي… وإنتي عارفة ده جواكي من زمان… بس عقلك كان بينسى.”
وقعت الكلمة عليّا زي صدمة كهربا.
“بينسى؟”
قبل ما أستوعب، الشاشة عملت صوت صفير عالي… وصورة السونار بدأت تهتز.
والجنين… مد إيده.
نحو الكاميرا.
نحوِّي أنا.
إيدي اتسمرت، وقلبي بقى بيدق بعنف لدرجة إني حاساه هيطلع.
ريان همس: “هو فاكرِك دلوقتي.”
الدكتورة صرخت: “اخرجي! دلوقتي!”
بس الباب… ماكانش بيتفتح.
كنت بحاول أهرب، لكن رجلي ما استجابتش.
والغريب… إني بدأت أفتكر حاجة مش المفروض أفتكرها.
أوضة بيضا.
سرير مستشفى.
وصوت طفل بيعيط… بس صوتي أنا اللي كنت بعيط.
ريان لفّ وشه ليّا وقال بهدوء: “أخيرًا رجعتي تفتكري.”
وفي اللحظة دي…
البطن اتحركت حركة قوية.
مش حركة طفل.
لا…
كأن اللي جوا بيخبط من جوه عشان يخرج…
مش يتولد.صرخت من الألم والخوف مع بعض.
بطني اتشد كأن حاجة جوايا بتتقلب مش طفل بيرفس… حاجة بتقاوم.
الدكتورة رجعت لورا وهي بتقول: “لا… مش دلوقتي… مش كده!”
ريان قرب أكتر، وصوته بقى أهدى من أي منطق: “هو مش مستعجل… هو بس زهق إنه يتحبس جوه كل مرة.”
بصيت له بعجز: “إنتو بتقولوا إيه؟! أنا حامل في إيه بالظبط؟!”
الشاشة فجأة قلبت لونها أبيض.
وبعدين بدأت تعرض فيديو… بس مش فيديو عادي.
أنا.
نفس الأوضة.
نفس السرير.
بس المرة دي… مش حامل.
أنا نايمة ومربوطة.
وبطني مفتوح بطريقة مستحيل تكون جراحة عادية.
وحد واقف جنبي… وشه مش واضح… بس إيده كانت طالعة من جوايا حاجة بتلمع.
الدكتورة همست وهي بتعيط: “ده كان لازم يفضل سر… كان لازم يفضل مدفون.”
حسيت الأرض بتلف بيا: “سر إيه؟! أنا عملت إيه؟!”
ريان قرب من ودني وقال: “إنتي مش أم عادية… إنتي وعاء.”
سكت لحظة كأنه بيختار كلماته: “كل مرة بنحاول نسيبه… بنرجعه جواكي تاني… عشان مفيش مكان تاني يعيش فيه.”
بطني فجأة اتفتح إحساسه من جوه.
مش جرح… إحساس كأن حاجة بتضغط عشان تطلع.
والشاشة في نفس اللحظة عرضت صورة أخيرة…
طفل واقف قدامي.
بس مش طفل رضيع.
كان نفس الشكل…
وقال بصوت هادي جدًا: “ماما… خلاص دورك خلص.”
النور قطع.