جوزي وافق يتجوز عليا حكايات نرمين همام
الطريقة اللي قال بيها الاسم خلتني أحس إنه بيرد على سؤال أنا مسألتوش بس مكنتش عارفة أبطل تفكير فيه.
بصيت للبنت تاني. عينيها بنية واسعة، وكلامها فيه رزانة. مش شبه عينيه بالظبط.. بس شبهها كفاية إنها في أول صدمة، تعمل فيا الوجع ده كله.
قلت هجيب لك واحدة حالا. وأنا بلف، عمر قال بصوت واطي مروة.. استني بعد ما يخلصوا.
وقفت وضهري ليه. نهى ضحكت بسخرية مش شايفة إن ده كلام مش مناسب يا عمر؟ عمر رد بنبرة حادة ووطى صوته يبقى بطلي تسمعي.
كان المفروض أخرج ومأرجعش. كان المفروض أخد شنطتي ومرتبي وأي كرامة باقية لي وأهرب. بس الحقيقة إن الحياة الواقعية أوحش بكتير وأقل سينمائية من العقل. الحياة الواقعية فيها إيجار هيدفع كمان 6 أيام. فيها طفلة الجاكت الشتوي بتاعها بدأ يصغر على كتافها.
محمود بص في وشي وحلف بصوت واطي للدرجة دي الموضوع زفت؟
المكان بقى هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت ليلى وهي بتمضغ البسكويت. عمر لف ليا ببطء وقال
البنت دي مش بنتي يا مروة.
كرهت إنه عارف بالظبط أنا بفكر في إيه.. ربعت إيدي وقلت له
وده بقى دفاعك الأول في القضية؟ رد بصدق دي الحقيقة. قلت له ببرود مبروك عليك.
أخد الصدمة وسكت لحظة، وبعدين كمل
ليلى تبقى بنت تامر، السواق بتاعي اللي مات من سنتين.. وأمها ماتت الشتا اللي فات.. أنا بس الوصي عليها وبحاول أجبر بخاطرها.
بصيت له بصدمة.. تامر! السواق بتاعه من سنين، اللي كان دايماً يهرب لي بسبوسة من محل عمه في السيدة.. مات! ضحية تانية في عالم مبيعرفش الرحمة.
عمر وطي صوته وقالبقلم نرمين عادل همام
أنا مش جاي هنا عشان أوجعك. ضحكت بسخرية والله؟ بس إنت أستاذ في الوجع عموماً.
عضلات فكه اتشدت، وسألني فجأة بسؤال جمد الدم في عروقي
مروة.. إنتي عندك بنت اسمها حبيبة؟
جسمي كله سقع.. ماردتش، مكنتش قادرة أنطق. قرب خطوة، وبعدين وقف وساب مسافة أمان بينا وقال
بصي لي يا مروة.
لا.
أرجوكي.
كلمة أرجوكي منه كانت غالية ونادرة لدرجة إنها خبطت في قلبي. رفعت عيني وبصيت له.. مكنش فيه أي
قال بصوت واطي
عمي عرف عنوانك الأسبوع اللي فات.. ونهى عرفت قبلي، عشان كده جيت هنا في مكان عام وقدام الناس.. لو مكنتش وصلت لك الأول، هو كان هيوصل، وإنتي عارفة عمي كويس.
الدنيا بدأت تضيق عليا.. سألته
عرفت عن حبيبة منين؟
عشان واحد من رجالة عمي صورك وإنتي بتدخليها الحضانة الصبح.. صوته بقى خشن ومبحوح ولما نهى ورتني الصورة.. عرفت فوراً.
حسيت إني بطلت أتنفس.. قلت تلقائياً هي واخدة شعري.. قاطعني وهو بيبلع ريقه وواخدة شفايفك.. وعين أمي الله يرحمها.
كنت عاوزة أنكر، كنت عاوزة أتفل في وشه وأقول له حبيبة بنتي أنا وبس، مالكش دعوة بيها.. بس الكدب حمل تقيل، وأنا شيلته كتير أوي. همست أيوة.. هي بنتك.
حط إيده على بقه بصدمة، ولف وشه الناحية التانية، كتافه اتهزت كأنه اتضرب رصاصة في مكان مستخبي.. ولما رجع بص لي، كانت عينيه بتلمع بالدموع.
عندها كام سنة؟
أربع سنين.
أنا ضيعت أربع سنين من عمرها..
الوجع في صوته كان حقيقي لدرجة إنه حرك جوايا شفقة كرهتها. قلت له بحدة أنا اللي عشتهم لوحدي.. السخونية، والإيجار، وأول خطوة، وأول كلمة.. أنا اللي عملت كل ده وإنت عايش حياتك.
أنا عارف الكلام ده يبان إزاي..
إنت متعرفش أي حاجة عن اللي بحسه!
ليلى رفعت راسها من البسكويت، حست إن الجو بقى مشحون.. عمر هدى صوته فوراً وقال لها يا لولو، روحي شوفي السواق برا، مستنيكي. البنت قامت بذكاء وخرجت، والستارة قفلت وراها. بقينا لوحدنا.. والوحدة دي كانت أخطر من أي حاجة تانية.
قال لي وهو بيبص في عيني
أنا دورت عليكي كتير يا مروة.. سألته بمرارة دورت قد إيه؟ يومين ولا تلاتة؟
عمر كمل كلامه وصوته فيه نبرة تعب مكتوم
دورت عليكي لحد ما كنت هموت.. والبحث ده كان هيخلص عليا.
ضحكت بسخرية وذهول
والمفروض ده يطمني يعني؟
هز راسه بلا
لأ.. ده عشان تفهمي ليه بطلت أدور بالطريقة اللي بتعمل شوشرة. عمي منصور قالي لو اختفت يبقى نسيبها مختفية ده رحمة ليها.. صدقته لأني كنت محتاج أصدق أي حد، ولأن
كنت عاوزة أفضل غضبانه، لأن الغضب وقود أنضف بكتير من الأمل. بس شفت فيه حاجة جديدة.. مش حنية، لكن هدد وتعب إنسان بقاله كتير شايل سقف البيت فوق كتافه وهو بيكرهه.
سألته ونهى بتساعدك ليه؟ بص لي بحذر لأنها هي كمان مش عاوزة الجوازة دي. رفعت حاجبي يا سبحان الله.. صدفت يعني؟
الموضوع معقد يا مروة.
هو دايماً معقد معاك بقلم نرمين عادل همام
اتنهد بأسف وقال نتقابل يوم الخميس.. في حديقة الأزهر.. الساعة 12 الظهر. مكان عام وقدام الكل. هاتي حبيبة معاكي لو قررتي.. ولو مش عاوزة بلاش. بس اديني فرصة أشرح لك كل حاجة في مكان مفيش حد فيه هيعرف يكدب بدالي.
كان المفروض أقول لأ.. بس لقيتني بسأل وأنا إيه اللي يخليني أثق في كلامك؟ رد بهدوء لأني لو كنت عاوز أجرك لعالمي غصب عنك، مكنتش بدأت بإن أطلب إذنك.
دي كانت أكتر كلمة صادقة قالها.. وده اللي خلاني أقتنع بطريقة مريبة. بصيت ناحية الستارة اللي ليلى اختفت وراها وسألته وفرحك؟ ابتسم ابتسامة مريرة دي من ضمن الحاجات اللي لازم أشرحها.
في شقة عين شمس بالليل، حبيبة كانت نايمة على الكنبة ببيجامة عليها ديناصورات، وبتلون حصان بنفسجي بجناحات خضرا. أم سعاد جارتي، كانت قاعدة على الكرسي بوقار ملكة شافت إمبراطوريات بتقوم وبتقع، ودلوقتي بتراقب العيال بحكمة أكبر من الحكومة نفسها.
أول ما شافت وشي وأنا داخلة، قالت مين اللي مات يا بنتي؟
ممكن يكون راحة بالي هي اللي ماتت يا أم سعاد.
طقت بلسانها دي ماتت من سنين.. قولي لي إيه اللي حصل؟ حبيبة رفعت راسها ماما.. رسمتنا وإحنا في الجنينة. روحت لثمت راسها وأخدت الرسمة.. شمس كبيرة وبشرة ماسكة إيد بعض.
أم سعاد استنت لما حبيبة اتلهت في الألوان وهمست هو؟ هزيت راسي.
وعاوز إيه؟
عاوز يشوف حبيبة.
أم سعاد بصت لبنتي وبعدين بصت لي وإنتي عاوزة إيه؟ ده كان السؤال.. مش هو يستحق ولا لأ، السؤال حبيبة تستحق تعرفه ولا
قعدت جنبها حبيبة يا روحي.. في حد كنت أعرفه زمان.. راجل.. ممكن نقابله في الجنينة يوم الخميس. سألتني ببراءة هو طيب؟
افتكرت عمر وهو شايلني بحنية خلتني كنت هعيط.. وعمر وهو موافق يتجوز واحدة تانية عشان المصلحة.. وعمر وشكله المكسور لما عرف إنها بنته. قلت بصدق ساعات.
يوم الخميس جه، الجو كان مغيم وهوا حديقة الأزهر كان بارد. كنت هرجع مرتين قبل ما نوصل. حبيبة كانت بتنط جنبي بجاكت وردي وماسكة العروسة بتاعتها. كنت ببص ورايا كل ثانية.. العادات القديمة مش بتموت.
عمر ظهر كان لوحده.. مفيش عربيات سودا، مفيش حراسة باينة.. لابس جينز وبالطو صوف، وفي إيده بلونة حمرا. المنظر كان يضحك من كتر ما هو غريب.. افتكرت رسمة حبيبة وزوري اتخنق.
قرب ببطء كأنه بيقرب من عصفور خايف يطير. حبيبة شافت البلونة الأول ماما.. الراجل ده ذوقه عالي أوي. عمر سمعها وابتسم.. ضحكة حقيقية أول مرة أشوفها.
ممكن أقعد؟ هزيت راسي.
قعد على طرف الكنبة ومد إيده بالبلونة أزيك يا حبيبة.. أنا عمر. بصت لي عشان أوافق، هزيت راسي، وأخدت الخيط بتركيز كأنها بتستلم جايزة.
شكراً.
العفو.
كان بيبص لها كأنه بيحفظ رموش عينها رمش رمش.. وبعدين بص لي بوش مفيهوش أي دفاع جميلة أوي. حبيبة ردت بثقة عارفة. عمر ضحك ضحكة طالعة من قلبه.
أخدت نفس عميق وقلت حبيبة.. ده الراجل اللي حكيت لك عنه.. ده بابا.
سكتت الدنيا فجأة.. الهوا طير البلونة وشفايف حبيبة اترعشت. بصت لعمر يعني.. بجد؟ عين عمر دمعت فوراً وصوته اتكسر أيوة.. بجد.
الوضع كان هادي وطبيعي لمدة 6 دقايق.. سألها عن المدرسة، وحبيبة حكت له إن المدرسة مش بتحب الجليتر، وهو قال لها إن بط الجنينة هنا جدع أكتر من ناس كتير وفجأة.. صوت من ورانا قال يا محلاها لِمة العيلة!
عمر اتنفض ووقف بوش خشب. اتنين رجالة كانوا جايين، واحد لابس كاب والتاني لابس قميص كحلي. مش غريب.. عمر عرفهم فوراً وشفت في وشه رعب حقيقي. عمر قال بجمود يا منصور اسم دراع عمه اليمين.. إيه اللي جابك هنا؟
الراجل اللي