جوزي وافق يتجوز عليا حكايات نرمين همام
مخبز مروة بقلم نرمين عادل همام
جوزي وافق يتجوز عليا فهربت وانا حامل.. وبعد 5 سنين، دخل المحل عندي وشاف البنت اللي ميعرفش عنها حاجة
فنجان القهوة وقع من إيدي اللحظة اللي عمر نطق فيها اسمي.
الفنجان خبط في الرخام واتدمر، وصوته كان عالي أوي كأنه ضرب نار هز أركان المحل. مفيش حد اتتحرك لثواني.. تراب السكر كان بيطير في خيط شمس الصبح اللي داخل من ورا ستارة القطيفة. قلبي كان بيخبط في ضلوعي بجنون.. وعمر الدالي، الراجل اللي مشفتهوش من 5 سنين، قام من على كرسيه كأني ميتة ورجعت للحياة قدامه.
مروة؟
لسه هو.. نفس الصوت. واطي، وهادي، وفيه نبرة خطر بتخلي أي راجل تاني صوته يبان مهزوز. 5 سنين عدوا، بس لما سمعته تاني، نبرة صوته قطعت كل الحواجز اللي بنيتها حوالين قلبي.
كانت قاعدة جنبه ست ، جميلة بجمال شيك وغالي، من النوع اللي يخليكي تفكري فوراً في مجوهرات محطوطة ورا فاترينات متأمنة. لفت وشها ببطء وبصت لي، ملامحها كانت باردة وعليها ضيق خفيف، كأني كسرت حاجة أغلى بكتير من مجرد فنجان بورسلين. وعلى الناحية تانية من عمر، كانت فيه بنت صغيرة، شعرها أسود ومموج ولابسة جزمة بتلمع.. البنت اتخضت من صوت الكسر، ومسكت في كم قميصه.
همست البنت وهي بتبص له ببراءة بابا.. هي مين دي؟بقلم نرمين عادل همام
الكلمة دي خبطتني أقوى من الفنجان اللي اتكسر. بابا.
الدنيا لفت بيا للحظة. اضطريت أمسك في الصينية الفضة عشان ما أقعش. برا الستارة، في قلب مخبز مروة الدافي، كنت سامعة صوت مكنة القهوة، وضحك زبائن، وصوت محمود المساعد بتاعي وهو بيزعق في المطبخ.. الحياة كانت ماشية عادي برا، بس حياتي أنا وقفت مكانها.
حاولت أصلب طولي ووطيت ألم القزاز المكسر أنا آسفة.. صوته طلع ضعيف ومخنوق هجيب فنجان غيره حالاً.
عمر لف من ورا التربيزة وقرب مني قبل ما ألحق أوطي بلاش إنتي.
إيده اتمدت بسرعة ومسكت معصم إيدي عشان يحميني قبل ما قطعة قزاز تعورني. صوابعه كانت دافية.. دافية أوي. جسمي اتفاعل مع لمسته قبل ما عقلي
عمر الدالي. جوزي. طليقي. شيطاني اللي هربت منه. أنا في يوم من الأيام حبيته لدرجة إني هديت حياتي كلها عشانه بقلم نرمين عادل همام
ودلوقتي، أنا واقفة بمريلة المخبز السوداء، وشوية دقيق على كمي، وريحة السكر في شعري، وببص في وش الراجل اللي وافق يتجوز واحدة تانية وأنا لسه في عصمته ولابسة دبلته.
تربيزة سبعة يا مروة، محمود همس لي في ودني من خمس دقايق وهو بينشف إيده بفوطة المطبخ، زبائن مهمين .. خليكي ذكية، مش عاوزه يشوفك. وأياً كان اللي بينك وبينه، ادفنيه لحد ما نخلص وردية الغدا.
كأن الحكايات والوجع صناديق ممكن نقفلها ب سوليتيب ونرميها في المخزن!
وقفت وفردت ضهري، وحاولت عيني ما تجيش في عينه، لأني عارفة الوش ده كويس أوي. الشفايف القوية.. الجرح اللي عند فكه اللي مكنش موجود آخر مرة شفته فيها. العينين السودة اللي ممكن تتحول من منتهى الحنية لمنتهى القسوة في ثانية. أنا في يوم شفت العينين دي وهي بتبقى ناعمة وهو بيقفل لي زراير البالطو بتاعي.. وشفتها برضه وهي بتبقى تلج ورجالة كبار واقفين مستنيين أوامره.
قلت وأنا بحاول أرسم ابتسامة الموظفة المثالية أهلاً بيكم في مخبز مروة.. هجيب قهوة تانية حالاً.
الست الشيك اللي معاه ساندت ضهرها على الكرسي وحطت رجل على رجل يا ريت.. ويا ريت المرة دي تحاولي متكسريش الأطباق.
كلامها كان فيه هزار، بس عينيها كانت بتقول حاجة تانية خالص.
عمر مبصش لها خالص، وقال بلهجة فيها تحذير نهى.
نطق اسمها بس، بس كان كأنه بيقولها اسكتي. إذن دي نهى.. الست اللي قالي في يوم إنه ممكن يضطر يتجوزها عشان يوقف الحرب.
من 5 سنين، لما كان عندي 24 سنة وكنت لسه بصدق إن الحب لازم يهزم أي مصلحة، عمر رجع البيت الساعة 2 بالليل، فك الكرافتة بتاعته، وقال لي بمنتهى الهدوء عمي منصور بيضغط عشان يخلص تحالف مع عيلة كامل بقلم نرمين عادل همام
وقفت وأنا حافية
رد عليا معناه إن بنتهم معروضة على التربيزة.
أنا فاكرة كل تفصيلة في اللحظة دي.. صوت تلاجة المطبخ، وصوت المطر وهو بيخبط في الشباك، والطريقة اللي رفض بيها يقعد.. كأن القعدة هي اللي هتخلي الكلام حقيقي.
قلت له تقصد جواز؟ هز راسه هزة بسيطة. سألته بقلب مقبوض وإنت هتقول لأ.. مش كده؟
سكت.. والسكوت كان هو الرد.
أنا كنت عارفة هو مين لما اتجوزته. مكنتش غبية.. كنت عارفة إن فيه اجتماعات بيكدب فيها، وصفقات بيسميها بيزنس وهي ريحتها دم حتى لو مشوفتوش بعيني. كنت عارفة إن عيلته بتلبس بدل غالية فوق تاريخ طويل من السلاح والقوة. بس اللي كنت مصدقة فيه بهبل، هو إن أنا أهم عنده من المكنة اللي بيديرها دي.
الليلة دي أثبتت لي إني مكنتش غالية كفاية.
قلت له وقتها إنت بتطلب مني أقف أتفرج وإنت بتتفاوض على زوجة تانية كأنك بتكتب عقد شحن؟
رد عليا بكلمتين أنا بطلب منك تفهمي إن ده هو اللي هيخليكي تعيشي. بصيت له ودموعي نازلة واللي بينا إحنا.. هيعيش إزاي؟
عمر حاول يقرب مني وقتها يا مروة، اسمعيني بس.. رجعت خطوة لورا لأ.. إنت اللي تسمعني. لو اتجوزت واحدة تانية، يبقى مفيش إحنا.. مفيش مروة وعمر تاني.
غمض عينه بضيق لسه مفيش حاجة حصلت، الموضوع مجرد اقتراح. رديت بحدة بس إنت وافقت تفكر فيه! ملامحه اتغيرت.. بقت أنشف وأقسى، الطريقة اللي وشه بيتحول بيها لما يحس إنه محشور في زاوية وميقدرش يبين حنية مروة، إحنا مش في مناظرة جامعة.. فيه رقاب ناس هتطير لو لعبت اللعبة دي غلط.
خلاص، بطل تخليهم ينصبوك ملك عليهم!
أول ما الكلمة طلعت من بقي، عرفت إني خبطت في العصب اللي بيحرك كل حاجة. عمر مكنش عاوز العرش ده، على الأقل في الحكاوي اللي حكاها لي.. بس هو قبله، وبعدين دافع عنه، وبعدين داب فيه لدرجة إني مبقتش عارفة فين عمر حبيبي وفين عمر الدالي.
قال لي أنا بحاول أحافظ على العيلة دي ملمومة. رديت بكسرة وأنا بحاول أحافظ على
بصينا لبعض بنظرات حادة فوق رخام المطبخ الغالي وآيس كريم بيسيح.. مستقبلين مش ممكن يعيشوا في أوضة واحدة. وعلى الفجر، كنت لميت شنطتي ومشيت. مشيت وأنا معرفش إني حامل.
بعد تلات أيام، في حمام استراحة على طريق السويس، كنت قاعدة وإيدي بتترعش وأنا ماسكة اختبار حمل رخيص.. وشفت الخطين الوردي ظهروا قدامي كأنهم حكم إعدام. ضحكت الأول.. وبعدين عيطت لدرجة إني مكنتش عارفة أخد نفسي.
لما وصلت عين شمس عند قرايب بعيد، رجعت لاسمي القديم، مروة الشيمي. أجرت شقة رخيصة وقشرت دهانها، وحلفت يمين بكرره كل ليلة زي الدُعاء بنتي مش هتكبر وهي عارفة تميز بين صوت ألعاب النار وصوت الرصاص.
وبقيت مروة الشيمي تاني. بشتغل الصبح في المخبز، وبالليل بذاكر محاسبة في الكلية، وبنيت حياتي من مواعيد الأتوبيسات، وكوبونات الخصم، والعناد. بنتي حبيبة خلت معافرتي في الدنيا ليها طعم أحلى. بقى عندها أربع سنين دلوقتي.. بشعر منكوش، وسنة ناقصة من قدام، وأسئلة بتبدأ من قبل الفجر.
هي تعرف إن فيه بابا في القصص. تعرف إن فيه ماما بتحرق العيش المحمص وبتاخد تصفيق برضه. بس متعرفش أي حاجة عن عمر الدالي. لحد ما القدر، اللي باين عليه كان زهقان، قرر يقعده على واحدة من التربيزات عندي.
دخلت بالقهوة الجديدة وإيدي شكلها أثبت من اللي كنت حاسة بيه. عمر كان رجع قعد مكانه، بس كان قاعد مشدود أوي، ونظرته مركزة عليا بتركيز قناص. نهى كانت مشغولة بالموبايل. والبنت الصغيرة، اللي عندها 4 أو 5 سنين، كانت حاطة عروسة تحت دراعها وبترسم دواير في السكر اللي مدلوق على التربيزة.
حطيت الفناجين واحد ورا التاني. قلت لنهى بجمود القهوة بتاعتك يا فندم. بصت لي وقالت بترفّع مش عاوزة عجينة سكر فوندام على التورتة النهائية..
. قلت طبعاً، تحت أمرك.
البنت الصغيرة بصت لي طنط.. هو فيه بسكويت؟ صوتها كان ناعم وفيه رجاء.. قلبي خذلني واتعصر من جوايا. قلت لها بحنية فيه يا حبيبتي.. تحبيه بالشوكولاتة؟ هزت راسها ب أيوة بقلم نرمين
عمر نطق أخيراً اسمها ليلى.