بنت صغيره وزعيم المافيا
بطاعة، وهو فاهم إن فيسنتي النهاردة مابينقذش ست غريبة.. هو كان بيصالح روحه القديمة.
قبل ما يخرج، صوفيا سابت حضن أمها وجريت عليه، وقفت قدامه وبصت له بعينيها الواسعة شكراً يا عمو.
فيسنتي وطى لمستواها، ولأول مرة من تلاتين سنة، ملامح وشه القاسية لانت، وابتسم ابتسامة خفيفة جداً، ومسح دمعة على خدها وقال لها بصوت واطي
محدش هيلمسكم تاني يا صوفيا.. طول ما أنا لسه بتنفس.
خرج فيسنتي من البيت، ولع سيجار وهو بيبص للسما الباردة، وحس لأول مرة إن ماريا ممكن تكون النهاردة.. نايمة مرتاحة.
ركب فيسنتي العربيّة، وفضل باصص من الشباك على البيت المتهالك وهو بيبعد، والسيجار في إيده ملمسش شفايفه.. كان غرقان في أفكاره.
توني كان سايق وبيلق نظرة كل شوية في المراية على الكبير، مش مصدق إن ده الراجل اللي كان من ساعة واحدة بس بيناقش صفقات بملايين ببرود أعصاب يخوّف. سأله بصوت واطي
يا ريس.. الست وبنتها نوديهم فين؟ الشقة اللي في الزمالك جاهزة، ولا نخليهم في مكان أبعد؟
فيسنتي رد من غير ما يلف وشه
الزمالك.. وتعيّن عليهم حراسة 24 ساعة. صوفيا تروح أحسن مدرسة، والأم تتعالج عند أحسن دكاترة. مش عايزهم يحتاجوا الهوا اللي بيتنفسوه.
سكت شوية
والكلب اللي جوه ده.. توني، أنا مش عايزه يموت بسرعة. خليه يندم إنه فكر يمد إيده على واحدة ضعيفة. خليه يتمنى الموت وميلاقيهوش.
وصل فيسنتي لبيته الكبير، القصر اللي كان بيعتبره دايما مجرد مخزن لذكرياته. دخل المكتب، وراح ناحية خزنة قديمة في ركن الأوضة. فتحها وطلع منها صورة قديمة، باهتة من كتر المسح عليها. كانت صورة ماريا.
بص للصورة وهمس وهو بيحاول يبلع الغصة اللي في حلقه
تأخرت عليكي يا ماريا.. بس النهاردة، قدرت أوصل في المعاد لواحدة تانية.
تاني يوم الصبح، المطعم لا بالما دورادا كان شغال كأن مفيش حاجة حصلت، بس السيرة كانت على كل لسان. الرجل الذي لا يهتز اهتز عشان دمعة طفلة.
وفعلاً، صوفيا وأمها اتنقلوا لحياة تانية خالص. الأم في الأول كانت خايفة، مفكرة إنها هربت من وحش وقعت في يد وحش أكبر، بس مع الوقت فهمت إن فيسنتي مش عايز منها حاجة.. هو بس كان بيحاول يرمم الروح اللي اتكسرت جواه من سنين.
وفي يوم، فيسنتي كان معدي بالعربية قدام المدرسة الجديدة بتاعة صوفيا. شافها وهي خارجة بتضحك مع صحابها، فستانها نضيف، وشعرها متسرح، مفيش على وشها أي أثر للرعب بتاع ليلة المطعم.
غمض عينه لثانية،
بعد مرور شهرين، كانت الأوضاع استقرت تماماً. فيسنتي كان قاعد في مكتبه، والهدوء اللي في المكان مابقاش هدوء خوف، بقى هدوء راجل لقى تصالح مع نفسه.
الباب خبط، ودخل توني وهو شايل ملف صغير
يا ريس، المدام والدة صوفيا بره، ومصممة تقابلك.. بتقول إنها مش هتمشي غير لما تشكرك بنفسها.
فيسنتي كان هيرفض كالعادة، هو مش من النوع اللي بيحب نظرات الامتنان، بس لسبب ما، شاور ل توني إنه يدخلها.
دخلت الست، كانت ملامحها اتغيرت تماماً؛ الوش الشاحب المكسور بقى فيه نضارة، وعينيها اللي كان فيها رعب بقى فيها عزة نفس. صوفيا كانت ماشية جنبها، وأول ما شافت فيسنتي، سابت إيد أمها وجريت عليه وحضنت رجله وهي بتضحك.
الأم وقفت قدامه وصوتها كان واطي بس ثابت
أنا مش جاية أشكرك على الفلوس ولا الشقة يا سيادة الدون.. أنا جاية أشكرك إنك رجعت لي بنتي. صوفيا مابقتش بتصرخ وهي نايمة.. صوفيا رجعت طفلة من تاني.
فيسنتي بص لصوفيا اللي كانت بتلعب بالخاتم اللي في إيده، وقال بنبرة هادية
هي اللي أنقذتني يا
طلع من درج مكتبه علبة قطيفة صغيرة، واداها لصوفيا
ده مفتاح بيت صغير في الريف.. بعيد عن دوشة المدينة وعن عيون الناس اللي زيي. خليه معاكي يا صوفيا.. ده مكانكم اللي محدش يقدر يوصلكم فيه أبداً.
الأم كانت هتعترض، بس فيسنتي رفع إيده بهدوء يوقفها
ده مش إحسان.. ده عهد. أنا وعدتها إن محدش هيلمسكم تاني.. وأنا راجل كلمتي عقد.
خرجوا من المكتب، وفيسنتي وقف قدام الشباك الكبير وهو شايفهم بيركبوا العربية. بص للسما اللي كانت بدأت تصفى، وطلع سيجار جديد، بس المرة دي ولعه وهو حاسس إن طعمه مختلف.. طعمه خالي من مرارة الندم.
في اللحظة دي، توني دخل وسأله
يا ريس، عندنا اجتماع مع الجماعة بتوع المينا بعد ساعة.. تحب نلغي؟
فيسنتي عدل ياقة قميصه، ورجع لملامحه الصارمة، بس عينه فضلت فيها اللمعة الجديدة
لا، مش هنلغي. بس بلّغهم إن القواعد اتغيرت.. من النهاردة، مفيش طفل ولا ست هيتأذوا في منطقة نفوذي.. واللي هيخالف، حسابه هيكون معايا أنا شخصياً.
وهنا انتهت أسطورة الرجل الذي لا يرحم، وبدأت قصة الحارس اللي لقى روحه
تمت.