قصة السعوديه
شيئا.
كانت الحافلة قديمة لكنها نظيفة بما يكفي. جلست قرب النافذة وضعت الصندوق بين قدمي كأنه طفل أخاف عليه من العالم وألصقت جبهتي بالزجاج. حين تحركت الحافلة شعرت بشيء غريب يفتح في صدري ليس فرحا كاملا ولا راحة. كان أشبه بإذن داخلي أن أجرب أن أكون صاحب قرار ولو مرة واحدة.
الطريق كان طويلا والسماء تتبدل ألوانها مع ساعات النهار. مررنا بامتدادات من الأرض الجافة التي تشبه جلدا تشقق من العطش وحقول بعيدة تقاوم الاصفرار وتلال لا ينبت فيها إلا الشوك. القرى التي عبرناها كانت صغيرة أبوابها مفتوحة على عتبات منخفضة والناس يجلسون كأنهم اعتادوا مراقبة العابرين دون أن يسألوهم إلى أين يذهبون.
كنت أراقب كل شيء بشراهة من لم يكن له وقت ليرى. طوال حياتي كان المكان يتغير حولي دون أن أملك قرارا. نقل كانت هذه الكلمة تكتب في ملفي كلما تغير الملجأ أو المشرف أو الغرفة. الآن أنا الذي أتحرك بإرادتي وأنا الذي أختار أن أبقى أو أذهب.
حين وصلت إلى دورانغو لم تنته الرحلة. كانت مجرد بداية لمرحلة أكثر صعوبة الوصول إلى الأرض ذاتها. سألت كثيرين وركبت حافلة أخرى إلى قرية صغيرة تدعى سان ميغيل دي لا سييرا. نزلت هناك وكانت الشمس فوق رأسي كأنها تجرب قدرتي على الاحتمال. الطريق الترابي أمامي يمتد كخيط من الغبار. قيل لي سر ساعة تقريبا. قالها رجل عجوز وهو يمسح عرقه ثم أضاف لن تجد شيئا هناك إلا الصخور. ونظر إلي نظرة سريعة كأنه يتساءل لماذا يذهب شاب وحده إلى مكان كهذا
سرت. وكل خطوة كانت ترفع غبارا يلتصق بحذائي وبساقي وبشفتي. كان الصندوق يثقل مع الوقت والظرف في جيبي
ثم ظهرت.
في البداية كانت مجرد ظل بين الأشجار القليلة ثم صار شكلا واضحا كوخ خشبي صغير الخشب فيه متآكل كأنه عاش أكثر مما ينبغي. السقف منهار جزئيا والنوافذ مكسورة والباب يميل قليلا. كان المكان يبدو كأنه مسح من ذاكرة البشر. وكأنه لم يكن يوما بيتا.
وخلفه بين الصخور والشجيرات كانت هناك فتحة سوداء في الجبل. ليست كبيرة بما يكفي لتبدو كفم عملاق لكنها كانت كافية لتجعلني أشعر أن الجبل يراقبني من الداخل.
الكهف.
وقفت لحظة لا لأنني خفت فقط بل لأنني شعرت بثقل غريب من الرهبة. لم أزر مكانا لي من قبل. هذه أول مرة أصل فيها إلى شيء لا يستطيع أحد أن يقول لي هذا ليس لك.
تنفست بعمق وقلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا
حسنا يا جدي لنر ما تركت لي.
اقتربت من باب الكوخ. أدخلت المفتاح في القفل فقاومني. حاولت مرة ثم ثانية ثم ثالثة. كان القفل قديما كأنه لم يفتح منذ سنوات. وحين استجاب أخيرا ودار سمعت طقطقة صغيرة كأن المكان يتنفس. دفعت الباب فصرخ الخشب صرخة طويلة حزينة.
دخلت.
كان الغبار في الداخل كثيفا حتى شعرت أنه يغلق رئتي. الضوء يدخل من الثقوب والزجاج المكسور على شكل خطوط رفيعة. رأيت طاولة خشبية كرسيا واحدا سريرا بسيطا ومدفأة حجرية فيها رماد قديم. لم يكن المكان فخما ولا حتى مريحا لكنه كان يحمل أثر إنسان عاش هنا. أثر شخص لم يكن مجرد شبح.
وفي زاوية بعيدة رأيت صندوق أدوات قديما. وعلى رف منخفض أوعية زجاجية وعلبا معدنية بملصقات باهتة. كان المكان
ثم لمحت شيئا فوق الطاولة لوحا خشبيا مفكوكا قليلا. لم يكن المكان مرتبا لكن هذا اللوح بدا مقصودا كأنه يخفي شيئا عن عين فضولية.
رفعته.
ووجدت دفترا.
كان قديما أوراقه مصفرة غلافه خشن. فتحته ببطء كمن يفتح بابا آخر. وفي الصفحة الأولى بخط واضح قوي قرأت
إذا كنت تقرأ هذا يا ليوناردو فهذا يعني أن العالم فعل ما كنت أخشاه لكنني أثق أنك أقوى منه.
لم أعرف كيف دخلت الدموع. لم أكن أبكي بسهولة. تعلمت في دور الأيتام أن الدموع تستغل ضدك وأن البكاء قد يجعلك هدفا للسخرية أو الشفقة. لكن هذه الجملة كانت كأنها يد تمتد من الماضي وتقول أنا كنت أراك.
جلست على الأرض قرب الطاولة وبدأت أقرأ. كنت أقرأ بسرعة ثم أبطئ أقرأ مرة أخرى كمن يخشى أن يضيع المعنى. كان جدي يكتب عن الكهف عن الأرض عن الصخور. لكن بين السطور كان يكتب عني أيضا عن طفل لم يسمح له أن يحتضنه.
كتب عن تيارات جوفية لا تظهر على السطح وعن معادن تشكل لمعانا خفيفا في الجدران وعن خريطة بسيطة رسمها بخط يده. وكتب عن شيء واحد يتكرر الماء.
هذه الأرض لا تباع كتب.
بل تحمى.
قرأتها أكثر من مرة. كلمة تحمى وقعت في قلبي كأنها أمر لي أنا لا وصف للأرض.
في اليوم التالي عند الفجر حملت مصباحا يدويا قديما وجدته في صندوق الأدوات وربطت قطعة قماش حول فمي لأنني خشيت الغبار وأخذت نفسا طويلا ثم دخلت الكهف.
كان الهواء في الداخل مختلفا. باردا رطبا كأنه يحمل رائحة معدنية خفيفة ورائحة حجر قديم لم تمسه الشمس. خطواتي كانت تصدر صدى
الجدران كانت تلمع قليلا تحت الضوء لمعانا خافتا كأنه سر لا يريد أن يرى كاملا. تقدمت بحذر أرفع المصباح أراقب الأرض أستمع إلى أي حركة. كنت أخاف من أن يكون الكهف فخا أو أن أجد داخله شيئا يثبت كلامهم لا قيمة له.
ثم سمعت صوتا.
لم يكن صوت حجر يسقط. كان صوت خرير خفيف كأن أحدا يسكب ماء ببطء.
توقفت. أطفأت المصباح لحظة ثم أشعلته كأنني أخشى أن يكون سمعي يخدعني.
تقدمت أكثر.
وهناك رأيته.
نبع صافي يخرج من بين الصخور يشق طريقه إلى حوض طبيعي صغير. الماء كان شديد الصفاء حتى بدا كأنه ليس ماء بل ضوء. انعكست شعاع المصباح عليه فصار يلمع كزجاج حي.
وقفت أمامه وأنا لا أفهم كل ما يعنيه هذا بعد لكنني فهمت شيئا واحدا بوضوح هذا ليس لا شيء.
ليس ذهبا. ليس ألماسا. ليس صندوق نقود.
إنه ماء.
وفي مكان تلاحقه مواسم الجفاف وتقل فيه الموارد الماء يصبح ذهبا من نوع آخر. يصبح حياة.
شربت منه بيدي. كان طعمه نقيا إلى حد جعلني أغمض عيني دون إرادة كمن يتذوق لأول مرة معنى الشيء الذي لا يشترى.
خرجت من الكهف وأنا أحمل في داخلي قرارا لم أعلنه بعد حتى لنفسي لن أبيع هذا قبل أن أفهمه.
عشت في الكوخ أسابيع. نظفت أصلحت ما استطعت. أغلقت بعض الثقوب رتبت المكان. كنت أنزل إلى القرية لأشتري طعاما بما بقي معي من المال القليل الذي ادخرته من أعمال بسيطة قبل خروجي. كان أهل القرية ينظرون إلي بفضول وشيء من الحذر. شاب وحيد جاء ليعيش في كوخ مهجور لا يبدو هذا طبيعيا.
وفي يوم من الأيام بينما كنت في متجر صغير أشتري خبزا ومعلبات دخل رجل يرتدي