اختي اختفت
أمي حاولت تلمسها، بس هي بعدت:
— متمسينيش دلوقتي... أنا عايزاه يبص لي كويس.
أبويا قال وهو بيهز راسه برفض:
— إنتي مش فايزة.
ساعتها الست طلعت حتة حظاظة من جيبها، خيوطها دايبة ولونها باهت.
عرفتها في ثانية... دي اللي كنت عاملاها لها بإيدي وأنا صغيرة، ومكتوب عليها من ورا "ف. م".
رجلي مكنتش شيلاني، وأمي وقعت من طولها:
— يا ويلي... إنتي هي...
بس هي مكنتش باصة غير لأبويا:
— قولهم الحقيقة... قول عملت فيا إيه... قول حبستني السنين دي كلها فين وليه.
عقلي وقف، وأمي كانت رافضة تصدق وبتصوت وتقول مستحيل، مستحيل يعمل كدة.
بس أنا كنت باصة في عين أبويا...
وكان مكسور، مش غضبان ولا مصدوم... ده كان شكل راجل سره اتفضح أخيرًا.
وبعدين حصلت المصيبة الكبيرة...
من وسط الضلمة ورا الست دي، خرجت طفلة.
عندها بتاع تمان سنين، هدومها واسعة عليها، وجزمتها مقطعة، ونظرتها كانت قوية وناشفة.
قربت،
— هو ده؟
الست هزت راسها بـ "أيوة".
ساعتها البنت قالت بكل وضوح:
— يعني... هو كمان يبقى جدي.
أبويا سند ضهره على الحيطة ووقع قعد على الأرض، كأن جبل انهد فوقه. الصمت اللي ساد المكان كان مرعب، مفيش غير صوت شهقات أمي وهي مش قادرة تستوعب إن جوزها، السند والضهر، يطلع منه كل الغدر ده.
الست — اللي هي أختي فايزة — دخلت البيت بخطوات تقيلة، والبت الصغيرة ماسكة في طرف جلبيتها وعينيها بتلف في المكان بفضول وحذر.
أمي زحفت لحد رجل فايزة ومسكت فيها:
— انطقي يا بنتي.. حبسك فين؟ وأبوكي ماله؟ إيه اللي جابك من الموت بعد السنين دي؟
فايزة بصت لأمي بوجع، ونزلت لمستواها وهمست بصوت مبحوح:
— حبسني في البيت القديم يا أمي.. بيت ستي اللي في العزبة اللي قال إنه باعه من زمان. كان بيجيب لي الأكل والشرب زي البهيمة، ويقفل عليا بالجنزير.. تسع سنين ملمحتش
أنا صرخت فيه:
— ليه يا بابا؟ ليه عملت فيها كدة؟ دي بنتك!
أبويا رفع راسه، وعينه كانت مليانة شر وهزيمة في نفس الوقت، وقال بصوت فحيح:
— عشان كانت هتفضحني.. كانت عايزة تبلغ عني لما عرفت إن الأرض اللي بعتها للناس مكنتش ملكي، وإن الورق كله مزور.. كانت هتحبسني وتضيع اسمي في الوحل، كان لازم أكسرها عشان أعيش!
فايزة ضحكت ضحكة تقطع القلب وقالت له:
— كسرتني؟ إنت موتني يا بابا.. بس "نور" الصغيرة دي (وشاورت على البنت) كانت هي الروح اللي مخليني أستحمل.. بنتي اللي اتولدت في الضلمة وكبرت وهي بتسمع عنك إنك "الوحش" اللي حابسنا.
الجو اتكهرب فجأة لما فايزة طلعت سكين مطبخ كانت مخبياها في هدومها، وقربت من أبويا. أمي صرخت وحاولت تحجز بينهم، بس فايزة زقتها وقالت:
— متخافيش يا أمي.. أنا مش هقتله.. الموت راحة، وهو ميتستحقش يرتاح.
بصت لأبويا وقالت له بكل جبروت:
—
وفعلاً، مفيش دقيقتين وصوت سارينة البوكس قلبت الدنيا تحت. الجيران كلهم طلعوا في البلكونات، وأبويا واقف مشلول مش عارف يهرب فين. دخلوا العساكر وخدوه بالملبسات، وهو خارج.. فايزة وقفت قدامه وبصت في عينه وقالت:
— السجن اللي حبستني فيه كان فيه "بنتي" مونساني.. إنما السجن اللي إنت رايحه، مش هتلاقي فيه غير "خيالك" ينهش فيك لحد ما تموت.
أبويا خرج والكلبشات في إيده، والحارة كلها كانت بتتفرج على "الرجل الصالح" وهو بيتكشف ستره. أمي خدت فايزة وبنتها في حضنها وقعدوا يرتجفوا، وأنا قفلت الباب علينا وأنا مش عارفة.. هل المفروض أفرح إن أختي رجعت؟ ولا أعيط على أبويا اللي طلع شيطان؟
بس اللي كنت متأكدة منه، إن الشمس
تمت.