اختي اختفت
أختي اختفت من تسع سنين... وإمبارح بالليل، الساعة تلاتة وتلطاشر دقيقة الفجر، الباب خبط بنفس الطريقة اللي كانت بتخبط بيها زمان. أمي جريت تفتح وهي بتعيط وتنادي باسمها، بس لما شوفت اللي واقف بره... عرفت إن فيه حد كان بيكذب علينا طول السنين دي.
في السيدة زينب، حر الليل بيبقى كاتم على النفس والبيوت كأنها بتنهج معاك. بس الفجرية دي، الجو كان ساقع بشكل مش طبيعي.
بقالي أسابيع مش عارفة أنام. من ساعة ما أمي رجعت تطلع الكراتين القديمة من فوق الدولاب؛ الصور، والقصاقيص، والملف الأصفر اللي شايلاه وفيه كل حاجة تخص "فايزة"، أختي الكبيرة.
تسع سنين من غيرها، من يوم ما خرجت رايحة مقابلة شغل ومارعتش تاني.
في الأول كان فيه تدوير، ومحاضر في القسم، وناس بتدور معانا، وصور ملزوقة على العواميد في كل حتة، ومكالمات كذب كانت بتقطع فينا، وبعدين
أمي عمرها ما فقدت الأمل. كانت تحط طبق زيادة على السفرة في عيد ميلادها، وتتكلم عنها كأنها موجودة وسطنا، وتقول: "الضنا مبيتنسيش ولا يتدفن إلا لما نلاقيه".
أما أبويا، فبقى راجل تاني خالص، بقى ناشف، وعصبي زيادة، ومبيقعدش في البيت. وفي كل مرة أمي تجيب سيرة إننا ندور تاني، كان يزعق وينفجر فيها:
— كفاية يا نور! سيبيها ترتاح بقى!
كان بيصرخ رغم إن محدش كان عارف فايزة عايشة ولا ميتة. جملته دي كانت بتخربشني من جوه، لأنها مكنتش باينة وجع... كانت باينة خوف.
الليلة اللي سبقت كل ده، لقيت أمي قاعدة لوحدها في المطبخ، باصة لصورة أختي وجنبها شمعة والعة.
— شوفتها في المنام — قالتها من غير ما ترفع عينها.
— قالتلك إيه يا أمي؟
أمي
— قالت إنها راجعة البيت... بس مش هتيجي لوحدها.
مسخرتش منها. مع مرور السنين، الواحد بيبطل يسخر من وجع غيره لما بيشوف إن الوجع ده هو اللي بيبدأ يكشف المستور.
وعلى الساعة تلاتة وتلطاشر دقيقة فجرًا، سمعت الخبط.
تلات خبطات، وبعدين سكتت، وبعدين خبطتين ورا بعض، وفي الآخر واحدة خفيفة.
جسمي قشعر في ثانية، لأن دي كانت "دقة" فايزة من وهي مراهقة، عشان أمي تعرف إنها هي ومتحسش بخوف، وحاجة زي دي محدش غريب يعرفها أبدًا.
قمت اتنفضت من السرير، وسمعت أمي بتجري في الطرقة.
— فايزة! — صرخت بصوت مسمعتهوش منها من سنين.
خرجت وراها، وأبويا خرج من أوضته هو كمان، بس مكنش باين عليه إنه لسه صاحي ومشوش، كان وشه أصفر... أصفر من الرعب.
أمي فتحت الباب وإيدها بتترعش، وفجأة اتسمرت مكانها.
على الباب كانت واقفة ست
وشها كان شبه أختي... "تقريبًا". نفس العينين، ونفس لفة الوش.
أمي حطت إيدها على صدرها وقعدت تعيط بحرقة كأن روحها بتطلع:
— بنتي...
بس الست دي مضحكتش، ولا خدتها بالحضن، دي بصت لجوه البيت، وعينها جت في عين أبويا بالظبط.
وقالت جملة خلت النفس يقطع مننا:
— أنا مش جاية عشانكم... أنا جاية عشان الراجل اللي دفنني صاحية.
أمي صرخت، وأنا بصيت لأبويا، وحسيت إن الدنيا بتتهد فوق راسي.
لأنه متصرفش كأب بنته رجعت له... مجريش عليها، معيطش، مسألش كانت فين، ده رجع خطوة لورا، وبعدين خطوة تانية، كأنه شايف عفريت.
— مستحيل... — تمتم بصوت واطي.
الست دي قدمت خطوة، ونور الشارع نور وشها أكتر، وهنا شوفت حاجة جمدت الدم في عروقي:
في رقبتها كان فيه