الدكتور قالي اهربي فورا حكايات زهرة
الظابط رفع سماعة التليفون، وعمل كذا مكالمة. ملامح وشه بدأت تتغير، السخرية اللي كانت في عينيه اتحولت لاهتمام مرعب. بص لي وقال: "فعلاً.. فيه محضر اتقفل ضد مجهول بالأسماء دي، والجثة اتدفنت على إنها صاحب الشقة".
وفجأة، موبايلي رن.
كان "ياسين".
الظابط شاور لي أرد وأفتح "الاسبيكر". فتحت الخط وأنا حابسة نفسي.
صوت ياسين كان هادي زيادة عن اللزوم، هدوء يخلي شعر جسمك يقف.. قال لي:
"خرجتي من باب العيادة الجانبي ليه يا حبيبتي؟ الدكتور عادل راجل عجوز وخرف، كان بيحكيلك قصص خيالية أكيد.. أنا مستنيكي في البيت، وعامل لك مفاجأة.. مفاجأة مكنتيش تتخيليها أبداً."
الظابط شاور لي أقفل السكة فوراً. وقبل ما أنطق بكلمة، دخل عسكري المكتب وقال بخضة:
"يا فندم.. فيه بلاغ لسه واصل حالا.. عيادة الدكتور عادل في مصر الجديدة ولعت، والدكتور لسه جوه!"
الدنيا اسودت في عيني.. ياسين مش بس نصاب، ده شيطان وبدأ يمسح كل اللي يعرفوا حقيقته.. والدور الجاي عليا!
الظابط قام وقف ونادى على القوة بتاعته: "جهزوا عربيتين بوكس حالاً، هنطلع على عنوان البيت!"
أنا كنت بتهز كلي، فكرة إن الدكتور مات
وصلنا قدام العمارة في مدينة نصر. النور كان مطفي في شقتنا، بس البلكونة كانت مفتوحة والستارة بتطير مع الهوا بشكل يقبض القلب. الظباط طلعوا وأنا صممت أطلع وراهم، مكنتش هقدر استنى تحت وأنا عارفة إن السر كله جوه.
الظابط كسر الباب ودخلنا.. الشقة كانت هادية بشكل مرعب. ريحة بخور قوية جداً كانت مالية المكان، وكأن فيه "طقس" غريب بيحصل. دخلنا الصالة، لقيت ياسين قاعد على الكرسي الهزاز بتاعه، وفي إيده كاس مية، وبيقرا في كتاب بهدوء ولا كأنه لسه حارق عيادة وقاتل روح!
الظابط رفع سلاحه: "ارفع إيدك فوق يا ياسين.. أو يا محمود.. مش هتفرق، إنت مقبوض عليك!"
ياسين مرفعش عينه من الكتاب، وقاله ببرود: "تؤ تؤ.. اتأخرتوا أوي يا حضرة الظابط. بس كويس إنك جبتي معاكي الحكومة يا (نور)، عشان يشهدوا على المفاجأة."
وفجأة، شاور بصباعه على أوضة النوم. الظباط دخلوا الأوضة بأسلحتهم، وبعد ثواني سمعت صوت "شهقة" مكتومة من العساكر. جريت وراهم وشفت اللي مكنتش أتخيله في
الحيطة كانت متغطية بصور ليا.. صور وأنا في الشغل، وأنا بشتري خضار، وأنا نايمة! وفي نص الصور دي، كانت فيه صورة لست تانية شبهي بالظبط، كأننا توأم، بس الصورة قديمة ومصفرة.
ياسين قام وقف ودخل الأوضة ورايا، والظباط محاصرينه، وقال وهو بيبص للصورة القديمة: "دي (لبنى).. مراتي الأولى. ماتت في الحريقة اللي الدكتور حكى لك عنها. بس الحقيقة إنها متماتتش مخنوقة.. هي ماتت عشان كانت عايزة تسيبني. وأنا مبسمحش لحد يسيبني يا نور."
وبعدين بص لي بضحكة مرعبة وقال: "عارفة الدكتور مات ليه؟ مش عشان عرفني.. الدكتور مات عشان حاول يخليكي تسيبيني. أنا بقالي سنتين برسم حياتنا عشان تبقى نسخة من حياتي مع لبنى.. نفس الأكل، نفس اللبس، حتى نفس الشقة ونفس الخناقات."
الظابط قاطعه: "كفاية رغي.. اتمشى قدامي!"
ياسين ضحك بصوت عالي: "تمشيني فين؟ أنا مأمن نفسي." وفجأة، ضغط على زرار صغير كان في جيبه. صوت "تكة" خفيفة سمعناها كلنا من تحت السرير.
الكل جمد في مكانه. الظابط صرخ: "كله ينزل على الأرض.. قنبلة!"
في اللحظة دي، ياسين استغل الفوضى وحدف الكاس اللي في إيده في وش الظابط وجري
الظباط هجموا عليه ولحقوه وهو لسه بيعدي سور البلكونة. ثبتوه في الأرض وكلبشوه. الظابط بص تحت السرير لقى "تايمر" شغال بس متوصل بسلوك مقطوعة.
بصيت لياسين وهو بيتسحل على الأرض ووشه في التراب، لقيته بيبص لي ويهمس: "كنت عايزك تموتي معايا.. عشان متبعديش عني."
بعد التحقيقات، اكتشفنا إن ياسين -أو محمود- كان مريض بذهان ذهاني مهووس بمراته الأولى اللي قتلها فعلاً وحرق الشقة عشان يخفي الجريمة وانتحل شخصية عامل كان شغال معاه ومات في الحريقة. أما "القنبلة"، فطلعت مجرد خدعة عشان يهرب، بس حظه إن الممرضة في عيادة الدكتور عادل بلغت الشرطة قبل ما العيادة تولع بالكامل، وده خلى البلاغ يوصل للقسم بسرعة البرق.
دلوقتي، وأنا قاعدة لوحدي في شقة تانية خالص، بعيد عن مدينة نصر وذكرياتها، لسه ساعات بحس بخيال ورايا في المطبخ.. وبفتكر جملة الدكتور: "اهربي فوراً".
الحقيقة إننا بنعيش مع ناس وبنفتكر إننا عارفينهم، بس الحقيقة إن كل واحد فينا جواه بير غريق.. ومحدش عارف