الدكتور قالي اهربي فورا حكايات زهرة
الدكتور خدني على جنب وقالي "اهربي فوراً".. لأن جوزي مطلعش الشخص اللي أنا عارفاه
أول مرة لاحظت إن فيه حاجة غلط مع جوزي، كان واقف في المطبخ في شقتنا اللي في مدينة نصر، بيبص للثلاجة بذهول وكأنه نسي دي إيه أصلاً وبتعمل إيه.
ياسين طول عمره كان شعلة نشاط، راجل حركته سريعة حتى وهو مش مستعجل. وعنده 38 سنة، كان بيدير مكتب مقاولات وتشطيبات صغير، بيصحى قبل الفجر وما بيعرفش يقعد يتفرج على فيلم لآخره من غير ما يقوم يتحرك. لكن خلال الشهر اللي فات، فيه حاجة انطفت جواه. وشه بقى شاحب، وعينيه غارزة لجوه، وبشرته مديّة على رمادي. كان بيتنفض لما موبايله يرن، وبعدها بدأ يسيب الموبايل مقلوب على وشّه على الترابيزة. في ليالي مكنش بياكل فيها لقمة، وليالي تانية كان يقف في بلكونة الأوضة بعد نص الليل، باصص للشارع المظلم بملامح فاضية وغريبة، كأنه مستني حد يظهر من بعيد.
قلت لنفسي ده أكيد ضغط شغل وتوتر.
لحد ما في يوم الصبح، كان هيغمى عليه وهو بيغسل سنانه.
أخدته فوراً ورحنا عيادة خاصة في مصر الجديدة. كان بيقولي إنه مجرد
لما الممرضة ندهت اسمه، دخلنا سوا.
دكتور عادل كان راجل في أواخر الخمسينات، شعره شايب وعينيه حادة ومبتفوتش ففوتة. سأل ياسين الأسئلة الروتينية، كشف على صدره، قاس ضغطه، وطلب تحاليل دم. ياسين كان بيرد بأدب، بس كان فيه نبرة توتر في صوته، كأنه مستعد لضربة هتيجي من مكان ما. وفي لحظة، الدكتور طلب منه يروح لآخر الطرقة عشان عينة بول.
أول ما ياسين خرج من الأوضة، الدكتور قفل الباب وراه بسرعة.
وبعدها لف وبص لي بملامح اتغيرت 180 درجة، لدرجة إني معرفتوش، الراجل الهادي اللي كان قدامي من ثواني اختفى وحل محله واحد مرعوب.
قالي بصوت واطي ومشدود: "يا مدام.
أنا ضحكت من كتر الصدمة واللخبطة: "حضرتك بتقول إيه يا دكتور؟".
قرب مني خطوة وقالي: "اهربي دلوقتي.. اطلعي على القسم فوراً".
قلبي سقط في رجلي: "ليه؟ فيه إيه؟".
بص في عيني بجمود وقالي: "لأن من 3 سنين، فيه راجل بنفس ملامح جوزك، وبصماته، وتاريخه المرضي، تم إعلان وفاته رسمي بعد حريقة شقة في المنصورة". سكت لحظة وكمل: "وقبل الحريقة دي، مراته الأولى اختفت تماماً وملهاش أثر".
الدنيا لفت بيا.
بقيت باصة له ومش قادرة حتى أرمش بعيني.
صوت الدكتور بقى أحدّ: "وقتها كان بيستخدم لقب عيلة تاني. أنا عرفت الجرح اللي في إيده أول ما شفته، لأني أنا اللي كنت عالجته زمان في المنصورة. لو حس إني عرفته، مش هتلحقي تخرجي من هنا سليمة".
فجأة سمعت صوت في الطرقة.
ياسين كان راجع.
الدكتور حط كارت عيادته في إيدي بسرعة وهمس: "باب الخروج الجانبي.. اطلعي دلوقتي!".
مفكرتش.. خطفت شنطتي، وفتحت الباب الجانبي اللي بيطلع على السلم، وجريت بأقصى سرعة عندي.
جريت على السلم ونفسي
قلت له بصوت مرعوش: "أقرب قسم شرطة.. بسرعة أرجوك".
طول الطريق كنت ببص ورايا، خايفة أشوف عربية ياسين بتطاردني. طلعت الكارت اللي الدكتور ادهوني، إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مكنتش عارفة أقرا المكتوب. "دكتور عادل المنشاوي.. استشاري جراحة". المعقول إن الراجل اللي عايشة معاه سنتين، اللي شاركني أكلي ونومي وحكاياتي، يكون "ميت" في ورق الحكومة؟ والأخطر من كدة.. يكون هو اللي "أخفى" مراته الأولى؟
وصلت القسم، دخلت وأنا منهارة، طلبت أقابل المأمور. حكيت له كل حاجة، من أول شكوك في البيت لحد كلام الدكتور. الظابط بص لي بنظرة فيها شك وقالي: "يا مدام الكلام ده خطير، إنتي واعية بتقولي إيه؟ ياسين الصاوي ده راجل أعمال معروف في منطقته".
قلت له بصريخ: "يا فندم اسألوا عن قضية حريقة المنصورة من 3 سنين، اسألوا عن الجثة اللي اتفحمت