الاوضه اللي ساكن فيها حكايات زهرة
فضلت نايم على السرير، وباصص للسقف.
سقف "جبسن بورد" أبيض ومستوي.
الشقة قديمة، وسقفها كان عالي فصاحبها القديم عمل السقف الساقط ده كديكور.
عمري ما فكرت أقرب منه.
بس المرة دي، كنت باصص له ومبرق.
التكييف متعلق تحت السقف ده بالظبط.
فكرة نورت في دماغي زي البرق.
العيب مش في التكييف.. ولا في الكهرباء.. ولا في الدور الأخير.
المشكلة جوه الأوضة دي.. في حتة أنا مش شايفها.
قمت وقفت عند الشباك، باصص على أضواء القاهرة والزحمة.
بس عالمي أنا مكنش فيه غير الفرن ده.
قررت.. أنا ههده.
بلاطة.. بلاطة.
تاني يوم الصبح، نزلت "الموان" اللي في الشارع ورجعت ومعايا صنايعي.
كان اسمه "الأسطى رجب"، راجل فوق الخمسين، رفيع بس عينيه زي الصقر.
دخلته الأوضة وشاورت على السقف:
"يا أسطى رجب، عايزك تشيل لي السقف ده كله."
بص للسقف باستغراب:
"يا أستاذ، السقف زي الفل وحرام تكسره، ده متكلف!"
"حران يا أسطى.. شيله."
مسألش تاني، قالي السعر، ودفعت له فوراً.
"هتبدأ إمتى؟"
"دلوقتي حالا."
نزل جاب عدته، وأنا بدأت أفضي الأوضة.. غطيت السرير والمكتب بمشمع بلاستيك.
الأوضة بقى شكلها زي المدافن المهجورة.. وكل ده وهي لسه بتغلي.
رجع الأسطى رجب ومعاه شنطة العدة والعتلة والسلم الألمونيوم.
نصب السلم في نص الأوضة.
"ابعد شوية يا أستاذ عشان العفرة.
وقفت عند الباب.. قلبي كان بيدق بسرعة مش عارف ليه.. خوف ولا ترقب؟
طلع السلم، خبط على السقف بإيده:
"الخشب والحديد اللي شايل تقال.. شغل نظيف."
وبعدين غرز العتلة في الفاصل بين البلاطات.. وضغط بكل قوته.
"ترااااخ!"
صوت شرخ قوي.. الجبس اتكسر.
وهجمت علينا ريحة كمكمة وتراب قديم تخنق.
كرمش وشه بس كمل.. بدأ يخلع حتة ورا حتة.
ظهرت "فتحة" سودة في السقف.
وقفت مكاني مسمر، باصص للفراغ الضلمة اللي فوق.. مش شايف حاجة.
الأسطى رجب وقف وطلع كشاف صغير من جيبه.
"استنى أما أشوف لك إيه اللي فوق ده."
ضرب الكشاف جوه..
وفجأة.. ثبت.
ماتحركش.. ولا نطق.. ولا حتى رمش.
بس الكشاف في إيده كان بيترعش رعشة خفيفة.
ثانية.. اتنين.. عشرة..
"يا أسطى رجب؟" ندهت عليه.
مردش.
"يا أسطى، في إيه؟ شفت إيه؟"
اتلفت لي فجأة، ووشه كان لونه مخطوف.. عينه مليانة رعب مش طبيعي.
بلع ريقه بصعوبة.. فتح بقه يحاول يتكلم، بس صوته مطلعش.
نزل الأسطى رجب من على السلم بخطوات مهزوزة، لدرجة إنه كاد يقع لولا إنه ساند على الحيطة. وشه اللي كان أسمر من الشمس بقى لونه أصفر باهت زي الورق القديم. لم عدته في الشنطة بإيد بتترعش، وعينه مش مفارقة الفتحة اللي في السقف.
"أنا ماشي يا أستاذ يحيى.. فلوسك أهي، مش عايز منها مليم، بس اعتبرها نصيحة لوجه الله.. سيب الشقة
قال الكلمتين دول وجري على باب الشقة وكأنه بيهرب من عزرائيل، سابني واقف في نص الأوضة، والسكوت اللي حل فجأة كان أتقل من الحرارة نفسها. بصيت للسلم الألمونيوم اللي لسه واقف في نص الأوضة، وبصيت للفتحة السوداء اللي بتبص لي زي عين عملاقة.
الظلام اللي فوق السقف الساقط مكنش ظلام عادي، كان تحس إنه "كتلة" سوداء ليها وزن. سحبت الكشاف اللي وقعه الأسطى رجب من الخضة، ورجلي بتترعش طلعت السلم درجة درجة. كل ما بطلع لفوق، الحرارة بتزيد بشكل مرعب، مش حرارة شمس، دي كانت حرارة "أنفاس".
وصلت لآخر درجة، وبقيت موازي للفتحة. ريحة الكمكمة بقت ريحة حاجة "شايطة"، ريحة لحم بيتحرق ببطء. وجهت الكشاف جوه الفراغ.. وفي أول ثانية، مكنتش فاهم أنا شايف إيه.
كان فيه "فرشة" كاملة محطوطة فوق الجبسن بورد، هدوم قديمة ومهلهلة، وكتب ورقها دايب، بس مش ده اللي جمد الدم في عروقي. في ركن الفراغ، فوق التكييف الجديد بالظبط، كان فيه "شخص" قاعد.. أو ده اللي افتكرته في الأول.
كان كيان نحيف جداً، جلده لازق على عضمه لدرجة إنك تقدر تعد فقرات ضهره، لون جلده كان رمادي غامق كأنه متغطي بالرماد. الكيان ده كان قاعد "متربع"، وحواليه دايرة من الشموع السوداء اللي مخلصتش، والحرارة كلها كانت طالعة منه هو! كان عامل زي "دفاية"
لما ضوء الكشاف جه على وشه، لف راسه ببطء.. ببطء مرعب. مكنش ليه عينين، كان مكانهم تجويفين غارقين في السواد، بس كان "شايفني". فتح بقه اللي كان عبارة عن شق مشقوق لحد ودانه، وطلع منه صوت فحيح زي غليان الزيت:
"لسه بدري.. لسه الأوضة مابقتش جاهزة."
في اللحظة دي، شفت "الترمومتر" الديجيتال اللي على الحيطة من بعيد، الأرقام بدأت تجري جنون: 40.. 45.. 50.. وبدأ البلاستيك بتاع التكييف الجديد "يسيح" وينقط على الأرض زي الدموع.
عرفت وقتها إن الأربعة تكييفات اللي باظوا مكنش عيب صناعة.. الكيان ده كان بيمتص "البرودة" عشان يغذي النار اللي جواه. رميت الكشاف وجريت، نزلت السلم في خبطة واحدة، وخرجت من باب الشقة بالهدوم اللي عليا.
وأنا بقفل الباب، سمعت صوت ضحكة مكتومة طالعة من سقف الأوضة، وصوت "تكة" الترمومتر وهو بيتحرق من كتر السخونية. نزلت الشارع وأنا بلهث، وبصيت لفوق على شباك أوضتي.. شفت دخان أبيض خفيف طالع من الشباك، بس الجيران كانوا ماشيين عادي، محدش حاسس باللي بيحصل، لأن النار دي كانت "ناري أنا" وحرارتها "ليا أنا" لوحدي.
من يومها وأنا ساكن في فندق، مش قادر أقرب من الشارع كله، وكل ما حد يسألني سيبت الشقة ليه، بفتكر الكيان الرمادي وهو متربع فوق راسي، وبفتكر الكلمة اللي قالها "لسه مابقتش جاهزة".