رجلي اتسمرت مكاني حكايات نور محمد
بس مش زي زمان كانت بسيطة جميلة صادقة.
وقفت جنبي قدام الناس كلها، وممسكة إيدي اللي فيها الشحم، وقالت بصوت عالي
ده مش بس أخويا ده أبويا وسندي ده السبب في كل حاجة وصلت لها.
ساعتها لأول مرة من سنين حسيت إن تعبي ما راحش هدر.
وبصيت لإيدي وبستها تاني بس المرة دي وأنا مبتسم.
عدّت أيام الفرح بسرعة، والناس رجعت لحياتها، لكن أنا حياتي كانت لسه بتتكوّن من جديد. يمكن لأول مرة من سنين، بقيت بفكر في نفسي، مش في حد تاني.
نور بعد الجواز اتغيرت بجد، مش بالكلام بالفعل. بقت تيجي تزورنا كل يوم تقريبًا، تقعد مع أمي بالساعات، وتدخل المطبخ تساعدها رغم إن إيديها كانت اتعودت على القفازات الطبية مش على العجين. كانت كل شوية تبص لي وأنا في الورشة وتسألني عن كل حاجة، حتى الحاجات البسيطة كأنها بتحاول تعوض سنين كاملة فاتتها وهي بعيدة عني رغم إنها كانت جنبي.
في يوم، كنت واقف تحت عربية قديمة، بحاول أفك مسمار ناشف، سمعت صوتها بتنادي
حسن ينفع أكلمك شوية؟
خرجت ومسحت إيدي في قطعة قماش، وبصيت لها
خير؟
قالت وهي متوترة
أنا قدمت استقالتي من المستشفى.
اتصدمت
إيه؟! ليه؟ ده حلمك يا نور!
نزلت دموعها وقالت
مش الحلم اللي يخليني أكره نفسي المكان ده كان كله منظرة كله ناس بتقيم بعض بالشكل وأنا بقيت زيهم وأنا مش عايزة أبقى كده تاني.
سكت شوية، وبعدين قلت لها
طب ناوية على إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
عايزة أفتح عيادة بسيطة هنا في الحي أعالج الناس اللي زيّنا اللي مش لاقيين فلوس يدخلوا مستشفيات استثمارية.
بصيت لها بتركيز حسيت إني لأول مرة بشوف نور الحقيقية البنت اللي كنت بشوفها وهي صغيرة، اللي كانت بتحلم تساعد الناس مش تتباهى عليهم.
قلت لها بهدوء
وأنا معاكي.
ومن اليوم ده حياتنا بدأت تتغير فعلًا.
اشتغلت أكتر من الأول، بس المرة دي وأنا راضي كنت بصلّح عربيات أكتر، وأوفر فلوس أكتر، عشان أساعدها تفتح العيادة. وهي كمان كانت بتشتغل في عيادات صغيرة مؤقتًا، تجمع فلوس، وتتعلم أكتر.
كنا بنرجع البيت تعبانين، نقعد أنا وهي وأمي، نضحك على أيام زمان، ونفتكر كل حاجة بس المرة دي من غير وجع.
بعد شهور، فتحنا العيادة. كانت صغيرة أوضة كشف، وصالة انتظار على قد الحال، ولافتة مكتوب عليها
عيادة د. نور حسن.
يوم الافتتاح نور وقفت جنبي وقالت
كان نفسي أكتب اسمك معايا.
ضحكت وقلت
اسمي مكتوب في كل حتة هنا في الحيطان، وفي الأجهزة وفيكي إنتِ.
العيادة نجحت بسرعة، مش عشان شكلها لكن عشان قلب نور. كانت بتقعد مع كل مريض كأنه حد من أهلها، ومفيش حد خرج من عندها غير وهو بيدعي لها.
وأنا؟
أنا كبرت كمان بس بطريقتي.
الورشة الصغيرة اتحولت تدريجيًا لمركز صيانة محترم. اتعلمت أطور شغلي، وجبت عمال معايا، وبقيت أعلمهم مش بس الشغل، لكن كمان معنى إن الشغل شرف.
في يوم، شاب صغير جه يشتغل معايا، كان شكله تايه فكرني بنفسي زمان.
سألته
اسمك إيه؟
قال سعيد.
قلت له
يا سعيد الشغل مش عيب العيب إنك تكسف من نفسك.
ابتسم لي، وبدأ يتعلم وأنا حسيت إني برد جزء من اللي اتعمل معايا.
لكن الحياة مش كلها هدوء
في يوم، جالي عرض من شركة كبيرة عايزة تشتري الورشة وتحولها لفرع رسمي ليهم بمبلغ كبير جدًا مبلغ ممكن
قعدت أفكر الفلوس كانت مغرية جدًا.
لكن بصيت حواليّ للورشة للناس اللي بتشتغل معايا للذكريات اللي في كل ركن.
روحت لنور، قلت لها
إيه رأيك؟ أبيع؟
بصت لي وقالت
إنت مش بنيت المكان ده عشان تبيعه إنت بنيته عشان يكون ليك قيمة.
الكلمة دي رجعتني لنفسي.
تاني يوم، رفضت العرض.
الراجل استغرب وقال
إنت بترفض مستقبل مضمون!
ابتسمت وقلت
لا أنا باختار مستقبلي بإيدي.
عدّت سنين
نور بقت من أشهر الدكاترة في المنطقة بس من غير ما تتغير.
وأنا بقيت معروف في شغلي والناس بتيجي لي من أماكن بعيدة.
وأمي؟
كانت قاعدة في نصنا مبسوطة فخورة مرتاحة.
وفي يوم هادي، كنا قاعدين سوا، نور قالت لي
فاكر اليوم اللي قلت فيّ الدنيا بتكشف مش بتغير؟
ضحكت وقلت
فاكر.
قالت وهي باصة لي بعين مليانة امتنان
أنا كل يوم بحاول أستحق الجملة دي.
بصيت لإيدي نفس الإيد اللي كانت مليانة شحم بس المرة دي، ما حسيتش إنها متوسخة حسيت إنها أنضف من أي حاجة.
واتعلمت أهم درس في حياتي
مش كل اللي يلمع يبقى نضيف ومش
وفي الآخر
اللي بيبني الناس عمره ما بيقع.