جوز امي حكايات زهرة
ليلة امتحان الثانوية العامة، "عصام"، جوز أمي اللي بقاله خمس سنين مبيعملش حاجة غير إنه يضربني ويهينني، فجأة ندهلي أدخل أوضته واللي حصل صدمني صدمة عمري.
ليلة الامتحان، "عصام" جوز امي نده عليا.
دي كانت أول مرة من خمس سنين ينطق اسمي بالهدوء ده. الأوضة كانت ضلمة، ومفيش غير نور القمر اللي داخل من الشباك. كان قاعد ورا مكتبه، وضهره محني كأنه شايل هموم الدنيا فوق كتافه.
"يا سيف.. تعالى هنا."
قربت منه وجسمي كله مشدود، مستني القلم اللي هينزل على وشي في أي لحظة، بس هو متحركش. على المكتب كان فيه كارت بنك وتذكرة قطر للصعيد.
"الكارت فيه 600 ألف." صوته كان مخنوق، "قطر الساعة 7 الصبح.. تمشي ومترجعش تاني."
وقفت مذهول. خمس سنين من الإهانة والضرب، كنت فاكر إنه هيصدق يخلص مني. بس لما اللحظة جت، حسيت برعشة. مديت إيدي أخد الكارت والتذكرة.
"استنى عندك."
إيدي وقفت في الهواء. لف بوشه ليا، ونور القمر كشف ملامحه.. الوش اللي كان دايماً بيخوفني، كان باين عليه التعب والذنب.
"أمي، مش أمك الحقيقية."
دماغي لفت، كأن حد ضربني بشومة.
"والضرب اللي كنت بضربهولك.. كان مجرد فيلم بنمثله."
دمي اتجمد في عروقي. سألته بصوت مهزوز: "يعني إيه؟"
بص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده.. نظرة اعتذار.
"أمك الحقيقية عايشة.. ولو ممشيتش بكرة، هتموت بسببي."
الدنيا بدأت تلف بيا. أمي مش أمي؟ وعصام كان بيمثل
"ليه؟ ليه كل ده؟" سألته وأنا ساند على المكتب عشان موقعش.
"متسألش ليه." قام وقف فجأة، وبقى طوله الفارع محاوطني، "أول ما تركب القطر، ارمي شريحة الموبايل دي وهات غيرها. متكلمش أي حد، وبالذات أنا."
حط الكارت والتذكرة في إيدي: "روح مكان محدش يعرفك فيه، وعيش حياتك.. وانسى موضوع امتحانات الثانوية دي خالص، كأنها محصلتش."
كنت ماسك الكارت كأني ماسك حتة نار.
"طب.. و 'سعاد'؟" سألته عن الست اللي كنت بقولها يا "ماما" طول الـ 18 سنة اللي فاتوا.
جسمه اتنفض أول ما سمع اسمها.
"اوعى تبين قدامها أي حاجة." همس بصوت واطي، "لو سألتك، قولها إنك كرهتني وهربت من البيت."
دخلت أوضتي، حطيت الحاجة في أبعد جيب في شنطتي. مأخدتش هدوم، مكنتش عاوز أي حاجة من البيت ده تفكرني بيه. فضلت قاعد على طرف السرير لحد الصبح.
الساعة 5، طلعت من الأوضة. لقيته قاعد في الصالة، باين عليه منمش هو كمان. أداني موبايل قديم: "استخدم ده، الشريحة اللي فيه جديدة."
هزيت راسي وجيت أمشي، بس وقفت عند الباب: "أمي الحقيقية.. اسمها إيه؟"
سكت كتير، لدرجة إني افتكرت إنه مش هيرد: "لما تطمن وتوصل، هعرف أوصلك وأقولك."
خرجت والجو كان سقعة وهسس. بصيت للبيت اللي عشت فيه سنين عذاب بصه أخيرة، ومشيت من غير ندم. وصلت المحطة قبل ميعادي بساعة.
فتحت الموبايل اللي أدهوني، لقيت رسالة واحدة من رقم مجهول:
"
قلبي دق بسرعة، وفتشت الشنطة.. لقيت "فلاشة" صغيرة.
في اللحظة دي، نداء القطر اشتغل. ركبت وقعدت في مكاني، وبدأت ملامح القاهرة تختفي من قدامي. أخيراً خرجت من السجن ده.
لسه ببدأ أتنفس، الموبايل هز في إيدي. رسالة من رقم غريب، فيها كلمتين بس:
"أنت فاكر إنك هتعرف تهرب يا سيف؟"
02
الكلمتين دول كانوا زي خنجر في قلبي. قعدت عدل وعرقي بدأ يصب.
الرقم غريب، بس النبرة دي.. دي نبرة "سعاد".
عرفت إزاي؟ وبالسرعة دي؟ هل عصام هو اللي قالها؟ مستحيل، نظرة الندم اللي في عينيه كانت حقيقية. ولا هي كانت مراقباني؟
فتشت هدومي وشنطتي بسرعة، ملقيتش حاجة. حاولت أهدي نفسي. قفلت الموبايل، شلت الشريحة، ورميتها من شباك القطر وهو ماشي.
بس الخوف مسبنيش. لو هي معاها رقمي، أكيد هتعرف أنا رايح فين. عصام قالي انزل الصعيد، بس التذكرة كانت لآخر الخط في أسوان.
لازم أنزل قبل أسوان.
طلعت شريحتي القديمة اللي كنت بكلم منها صحابي، وفتحت الموبايل. رسايل كتير من زمايلي بيسألوا عن الامتحان، والمدرسين بيبعتوا "بالتوفيق". قفلت كل ده وطلبت رقم عصام.
"الرقم الذي طلبته غير متاح حالياً.."
قلبي وقع في رجلي. قفل موبايله كالعادة لما بيحب يختفي. بعتله رسالة بسرعة:
"سعاد عرفت إني هربت وبعتت تهديد. أنا مش بأمان، أعمل إيه؟ ومين أمي دي؟ وهي فين؟"
مردش. القطر بيجري، وكل
. الـ 600 ألف مبلغ كبير، بس بالنسبة لسعاد ولا حاجة. أنا عارف أهلها واصلين إزاي، وليها قرايب في مراكز تقيلة في الداخلية. جيبها سهل أوي.
ليه عصام خلاني أهرب؟ هو مخبي إيه؟ وهل فعلاً ضربه ليا كان حماية؟ حماية خمس سنين؟
ممكن.. ممكن كان عاوز يقنعها إن علاقتنا ميتة، عشان لما أهرب متشكش فيه.
فجأة الموبايل نور. رسالة من رقم برايفت:
"متستخدمش أي شريحة باسمك. التذكرة اللي معاك دي تمويه عشان تضللها. انزل في المحطة اللي جاية، وبفلوس كاش احجز لـ 'المنصورة'. أول ما توصل هناك، روح المستشفى العام، اسأل عن دكتورة اسمها 'نادية'. وسلمها الفلاشة."
نزلت في "طنطا" كتمويه زي ما قال، ومن هناك أخدت ميكروباص للمنصورة عشان ميبقاش ليّا أي أثر في سيستم القطر. طول الطريق والفلاشة في جيبي كأنها قنبلة موقوتة.
وصلت المستشفى العام، الريحة هناك كانت خليط بين المطهرات والوجع. سألت في الاستقبال عن "دكتورة نادية".
"الدكتورة نادية في العمليات، قدامها ساعة وتخرج."
قعدت في ممر ضلم، قلبي بيدق مع كل خطوة ممرضة بتعدي. فجأة، الموبايل القديم رن.. نفس الرقم المجهول.
"نادية مش هتقدر تساعدك.. سعاد وصلت المستشفى."
جسمي اتنفض، بصيت حواليا برعب. شفت عربية سودة فامييه وقفت قدام باب الطوارئ، ونزلت منها "سعاد". ملامحها اللي كنت بشوفها هادية وطيبة طول عمرها، كانت دلوقتي حادة وزي الموس.