عمري ما كنت اتخيل حكايات زهره

لمحة نيوز

​أنا الدنيا لفت بيا.. السطوح، والفقر، ومروان، والملياردير اللي واقف قدامي وبيقول إني "بنته" اللي ماتت من 20 سنة!

وقفت مكاني مبرقة، حاسة إن الأرض بتميل بيا. مروان ابني كان نايم بيئن، والراجل اللي قدامي ده، اللي هدومه تمنها يبني عمارة، واقف بيترعش قدام حتة "سلسلة" مصدية في رقبتي.

​"انتي بتقول إيه يا أستاذ؟" سألته وأنا صوتي طالع بالعافية، "بنتك مين؟ أنا نادية.. أمي ماتت من عشر سنين وهي اللي ملبساني السلسلة دي وقايلة لي إنها ورثي الوحيد."

​آدم مقدرش يمسك نفسه، قعد على طرف الكرسي الخشب المكسور وكأنه جبل وانهد. "السلسلة دي مفيش منها اتنين في العالم يا نادية.. دي فضة إيطالي مخصوص، والحرف ده (A) اختصار لاسم بنتي (آمال).. والفتحة اللي في ضهر الدلاية دي، فيها صورة ميكرو لمراتي وليا."

​قلبي وقع في رجلي. ميكرو؟ صورة؟ عمري ما فكرت أفتحها. وبإيد بتترعش، مسكت الدلاية وبضفري حاولت أفتح الغطا الصغير اللي ورا.. واتفتح.

شوفت صورة صغيرة أوي، لراجل وسيم في عز شبابه، وست زي القمر ضحكتها

تنور الضلمة.. الراجل كان هو، "آدم" اللي واقف قدامي بس من عشرين سنة.

​الدنيا اسودت في عيني. يعني أنا مش "نادية"؟ يعني الست اللي ربتني دي مش أمي؟

آدم قام وقف، وعينيه فيها لمعة مرعبة: "الست اللي ربتك جابتك منين؟ قولي لي الحقيقة!"

​قلت له وأنا بنهج: "كانت شغالة ممرضة.. وقالت لي إنها خدتني من ملجأ بعد حريقة كبيرة في مستشفى.. قالت لي إن أهلي ماتوا."

​آدم خبط كفه في الحيطة: "لا ماموتوش! أنا اللي عشت ميت عشرين سنة! الممرضة دي خطفتك يا نادية.. خطفتك من وسط النار عشان كانت مابتخلفش، وخلتني أعيش أحرق في نفسي كل يوم."

​فجأة، مروان صرخ صرخة قوية، السخونية كانت وصلت لقمّتها.

آدم انتبه، وبسرعة مذهلة، كأنه رجع "أب" في ثانية، شال مروان ببطانيته المقطوعة من على السرير.

"إيه اللي بتعمله ده؟" صرخت فيه.

بص لي بنظرة عمري ما هنسى قوتها: "مش هسمح للسخونية تاخد حفيدي زي ما النار خدت بنتي زمان.. اطلعي قدامي على العربية، مروان هيدخل أحسن مستشفى في مصر دلوقتي!"

​العربية الرانج روفر شقت

شوارع القاهرة في نص الليل زي الطلقة. نزلنا قدام مستشفى فخم في المهندسين، الدكاترة والتمريض جريوا على "آدم بيه" كأن ملك الموت وراهم.

مروان دخل العناية، وأنا قعدت في الطرقة على الرخام الغالي، بصيت لشكلي في المراية.. هدومي مبهدلة، إيدي خشنة من شغل المشغل، ورقبتي فيها سلسلة بـ "ملايين".

​آدم جه قعد جمبي، حط إيده على كتفي بحنان غريب، حنان كنت مفتقداه طول عمري.

"أنا عملت اتصالاتي.. الممرضة اللي ربتك دي، ماتت، بس ورقك في الملجأ لسه موجود، وهعمل تحليل DNA دلوقتي عشان أقطع الشك باليقين.. بس قلبي مش محتاج تحليل يا آمال."

​قلت له ودموعي نازلة: "لو طلعت بنتك فعلاً.. هتعمل إيه؟ أنا حياتي كلها فقر وتعب، وابني محتاج عملية في القلب كنت بجمع تمنها بالقرش.. أنا مش شبهك يا آدم بيه."

​آدم مسح دموعي بمنديل ريحته غالية أوي، وقال لي بصوت واثق: "انتي بنتي.. يعني انتي صاحبة كل اللي أنا بملكه. والعملية اللي كنتي بتجمعي تمنها دي، هتتعمل الصبح بأكبر دكاترة في العالم. مروان مش بس هيقوم، مروان

هينسى يعني إيه تعب."

​بعد يومين، النتيجة طلعت.

آدم دخل عليا الأوضة في المستشفى، كان ماسك الورقة وإيده بتترعش. بص لي والدموع في عينيه وقال: "أهلاً بيكي في بيتك يا آمال المنشاوي."

​في اللحظة دي، الموبايل المكسور بتاعي رن. كان "سيد" ابن خالتي.. قصدي ابن خالة نادية اللي ماتت.

رديت عليه ببرود: "عايز إيه يا سيد؟"

سيد بصوت واطي: "ها يا نادية، عملتي إيه في موضوع الفلوس؟ أنا ممكن أسلفك الـ 800 جنيه بس تمضي لي على وصل أمانة."

​بصيت لآدم اللي كان مبتسم وهو سامع المكالمة، آدم خد مني الموبايل وقال بلهجة تخلي الواحد يركب خيله:

"يا سيد.. الـ 800 جنيه دول تمن المنديل اللي بنتي بتمسح فيه دموعها.. ابعد عن طريقها عشان لو شوفت وشك، هخليك تمضي على وصل أمانة لـ عزرائيل شخصياً!"

​قفل السكة في وشه، وبص لي وقال: "يلا يا بنتي.. مروان فاق، وعربيتك مستنية تحت عشان تاخدكم القصر.. الحلم بدأ دلوقتي."

​خرجت من المستشفى وأنا سانده على دراعه، بصيت للسما وقلت: "سبحانك يا رب.. بكلمة (إرسال) لـ

(رقم غلط)، بدلت حالي من السطوح لـ قمة الدنيا."

 

تم نسخ الرابط