ارمي عليها اليمين حكايات نور محمد

لمحة نيوز

"ارمِ عليها اليمين حالا يا أحمد..."
الكلمة دي فضلت ترن في ودني كأنها طلق نار، بس مش أي طلق… ده كان الطلق اللي بيفصل بين حياة قديمة كنت فاكرها أمان، وحياة جديدة هتبدأ بثمن غالي.

أنا أحمد… ابن البيت الكبير، ابن "الكبير" اللي كلمته سيف، واللي الكل بيخاف منه قبل ما يحترمه. اتربيت على إن العيلة فوق كل حاجة… بس محدش قالّي إن العيلة ممكن في يوم تبقى خصمك.

منى… مراتي، كانت عكس كل حاجة فيهم. هادية، طيبة، يتيمة، بس قلبها مليان كرامة. لما اتجوزتها، الكل كان شايف إني "خسرت صفقة"، مش بنت عيلة، ولا وراها سند… بس أنا كنت شايف فيها حاجة هما عمرهم ما فهموها: النضافة.

بس النضافة في بيتنا كانت ضعف… والفلوس هي اللغة الوحيدة اللي الكل بيفهمها.

من يوم ما عرفوا إنها ورثت أرض ومبلغ في البنك، والنظرات اتغيرت. كلامهم بقى فيه سم، حتى ضحكهم بقى تقيل. أمي بقت كل شوية تلمح:
"مراتك دي لازم تتظبط… الفلوس دي حق إخواتك."
وأبويا… سكت، بس سكوته كان أخطر من الكلام.

وفي اليوم المشؤوم… كل حاجة انفجرت.

كنت في الشغل، وفجأة حسيت بحاجة مش مظبوطة. قلبي كان مقبوض بطريقة غريبة، كأن

حد بينادي عليّا. سيبت كل حاجة وروحت جري على البيت.

وأول ما فتحت الباب… الدنيا وقفت.

منى واقعة على الأرض، طرحتها في إيد أخويا الكبير، وأخويا التاني واقف بالسكينة، وأبويا ماسك ورقة وبيقول لها:
"امضي… بدل ما اللي هيحصلك مش هيعجبك."

اللحظة دي… كانت كفيلة تخليني أتحول.
ما بين ثانية والتانية… كل الذكريات، كل التربية، كل الخوف… وقع.

قربت منها، شيلتها من على الأرض، حضنتها وهي بتترعش، وبصيت لهم… بس المرة دي مش كابن… كراجل.

قلت له بهدوء مرعب:
"سيبها يا حاج…"

ضحك بسخرية:
"هتعمل إيه يعني؟"

وقتها… كنت واخد قراري.

طلعت موبايلي، وريته التسجيل اللي كان شغال من أول ما دخلت، وقلت:
"كل كلمة اتقالت متسجلة… تهديد، إكراه، سلاح… دي مش خناقة عيلة، دي جناية."

الصمت نزل زي السكينة.

أخويا ساب الطرحة، والتاني نزل إيده، وأبويا… أول مرة أشوفه متردد.

بس اللي حصل بعد كده… هو اللي قلب كل حاجة.

منى، بإيد بتترعش… طلعت ورقة من جيبها.

بصيت لها مستغرب، وهي قالت:
"أنا كنت ناوية أتنازل… والله كنت ناوية… بس مش بعد اللي شوفته."

أبويا أول ما شاف طرف الورقة… وشه اصفّر.

قرب

منها وهو بيهمس:
"لا… مش دي… منى بالله عليكِ…"

أنا اتجمدت.

إيه الورقة دي؟
إيه اللي يخلي أبويا… الجبار… يتوسل كده؟

منى فتحتها ببطء… وقالت:
"دي نسخة من عقد بيع الأرض… بس مش باسمي لوحدي… باسم شريك تاني."

أبويا صرخ:
"اسكتي!"

بس هي كملت:
"الشريك ده… هو واحد كان شغال مع أبويا… وساعده في شغله… والورقة دي فيها توقيعك يا حاج عاصم… إنك خدت منه فلوس زمان مقابل حتة أرض… وما سلمتهاش."

أنا حسيت الأرض بتهتز تحت رجلي.

يعني… أبويا؟
نصاب؟

منى كملت بصوت أقوى:
"والورقة دي موثقة… ولو راحت المحكمة… مش بس الأرض هتضيع… ده فيه قضية نصب وتزوير."

الهدوء بقى خانق.

أبويا وقع على الكرسي… لأول مرة شكله صغير.

وفي اللحظة دي… صوت كسر الباب جه من بره.

الشرطة دخلت.

الضابط بص حوالين المكان، وبص لي وقال:
"مين اللي بلّغ؟"

رفعت إيدي… وقلت:
"أنا."

بص لأبويا وإخواتي… وبعدين للسكينة والورق… وكل حاجة كانت واضحة.

اتقبض عليهم.

وأنا واقف… حسيت بحاجة بتتكسر جوايا… بس مش ضعف… لا… ده كان وهم.

وهم إن العيلة دايمًا أمان.
وهم إن السكوت صح.
وهم إن الحق ممكن يتساب.

بعد أيام… القضية

كانت واضحة. التسجيل، شهادة منى، والورقة… كلهم قلبوا الموازين.

أبويا اتحبس احتياطي… وإخواتي معاه.

والبيت الكبير… بقى فاضي.

وقفت قدامه أنا ومنى… وهي ماسكة إيدي.

قالت لي:
"ندمان؟"

بصيت لها… وابتسمت لأول مرة من قلبي:
"ندمان إني اتأخرت."

الفلوس؟
رجعت لها.

الأرض؟
بقت أمانها.

وأنا؟
كسبت نفسي.

في الليلة دي… وأنا قاعد جنبها، وهي نايمة بهدوء بعد كل اللي حصل… فهمت حاجة واحدة:

الرجولة مش إنك تطيع أبوك وخلاص…
الرجولة إنك تعرف إمتى تقول "لأ"… حتى لو اللي قدامك هو أبوك نفسه.

ومن ساعتها… بدأت حياتي بجد.

الليلة اللي بعد القبض عليهم… كانت أول ليلة في حياتي أحس فيها إن البيت هادي زيادة عن اللزوم… هدوء يخوّف مش يطمن.

أنا ومنى قاعدين في الصالة، نفس الصالة اللي كانت من ساعات مسرح جريمة. كل حاجة فيها بقت شاهدة… الكنبة، الأرض، حتى الحيطة كأنها سامعة اللي حصل ومش قادرة تنساه.

منى كانت ساكتة… مش بتتكلم خالص. عينيها سرحانة، وكأنها لسه جوه اللحظة.

قربت منها بهدوء وقلت:
"خايفة؟"

هزّت راسها بالنفي… بس إيديها كانت بتترعش.

مسكت إيدها وقلت:
"خلاص… كله انتهى."

بصّت لي نظرة غريبة… وقالت بصوت واطي:
"لا يا أحمد… ده لسه بيبدأ."

الكلمة دي قفلت صدري.

"تقصدّي إيه؟"

سكتت شوية… وبعدين قالت:
"أبوك مش لوحده."

 

تم نسخ الرابط