لما كان عندي سبع سنين مشيره محمد

لمحة نيوز


نتشاركه معًا.
وفي أحد أيام الأحد أخذني إمرة إلى إزمير.
لم يخبرني إلى أين نحن ذاهبان.
حين توقفت السيارة، تعرفت فورًا على الشارع.
بيت طفولتي.
أما البيت المجاور فلم يعد مهجورًا. كان قد جُدد.
قال
اشتريته قبل عامين.
نظرتُ إليه بدهشة حقيقية، كأنني أحاول أن أفهم ما يقوله، أو أبحث في وجهه عن تفسير آخر.
سألته
لماذا؟
ابتسم ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي كنت أعرفها منذ طفولتي، ابتسامة لا تحمل سخرية ولا استعراضًا، بل شيئًا دافئًا وعميقًا.
قال
لأن بعض الكلمات لا تُنسى.
ثم مدّ يده إلى جيب سترته، وأخرج علبة صغيرة مخملية.
في تلك اللحظة شعرتُ بأن قلبي بدأ يخفق بسرعة غير طبيعية، وكأن الزمن كله عاد فجأة إلى الوراء.
عاد إلى ساحة البناية القديمة.
إلى الطفلة الصغيرة ذات الضفيرتين.
إلى الركبتين المجروحتين.
إلى ذلك اليوم الذي صرختُ فيه أمام الجميع أنني سأتزوجه يومًا ما.
فتح العلبة ببطء.
كان الخاتم يلمع تحت ضوء الشمس.
قال بصوت هادئ لكنه عميق
لوسيا هيريرا لقد مرّت خمسة عشر سنة منذ أن قُدِّم أول عرض.
ابتسم قليلًا، ثم أضاف
أعتقد أن دوري قد حان الآن.
ثم ركع على ركبة واحدة أمامي.
لم أسمع شيئًا حولي.
لا صوت السيارات.
لا صوت الريح بين الأشجار.
لا حتى صوت أنفاسي.
سمعتُ فقط كلماته

حين قال
هل تتزوجينني؟
امتلأت عيناي بالدموع فورًا.
تذكرتُ تلك الطفلة التي كانت تبكي في ساحة البناية.
تذكرتُ دراجتي الصغيرة حين سقطتُ عنها.
تذكرتُ كيف كان ينظف جروحي ويقول لي إنني يجب أن أكون قوية.
تذكرتُ الباب المغلق لبيتهم يوم رحل دون وداع.
وأدركت في تلك اللحظة أن كل ذلك لم يكن عبثًا.
أن السنوات الطويلة التي فرّقتنا لم تكن ضياعًا بل طريقًا طويلًا أعادنا إلى نفس النقطة التي بدأ منها كل شيء.
ضحكتُ وأنا أبكي في الوقت نفسه.
قلتُ بصوت مرتجف
نعم يا إمرة نعم.
وقف فورًا، ووضع الخاتم في إصبعي، كأننا نحاول أن نستعيد فيه سنوات الغياب كلها دفعة واحدة.
لم يكن وعدًا عابرًا.
كان عودة كاملة إلى قصة بدأت في طفولة بريئة.
كان زفافنا بسيطًا، لكنه كان مليئًا بالدفء.
لم نرد حفلاً ضخمًا أو مظاهر مبالغًا فيها.
اقتصر الأمر على العائلة القريبة وبعض الأصدقاء المقربين.
أقيم الحفل في حديقة صغيرة قريبة من منزل طفولتي في إزمير.
كانت الأشجار القديمة ما تزال هناك، والهواء يحمل نفس رائحة البحر التي كنت أعرفها منذ صغري.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسم لونًا ذهبيًا على كل شيء حولنا.
وقفتُ بجانب إمرة وأنا أشعر أن العالم كله أصبح هادئًا على نحو غريب.
كانت أمي تبكي أكثر مني.
كانت تمسح دموعها
وتضحك في الوقت نفسه، وكأنها لا تستطيع أن تصدق أن تلك الطفلة العنيدة التي كانت تسحبها من أذنها في الساحة أصبحت الآن عروسًا.
همس إمرة لي وهو يبتسم
كنتِ على حق منذ البداية كنتِ عنيدة.
ضحكتُ وأنا أنظر إليه.
قلت
ربما كان عناد الطفولة أصدق من حكمة الكبار.
أمسك يدي برفق، وقال
شكرًا لأنك لم تستسلمي.
نظرتُ إليه وقلت
وشكرًا لأنك عدت.
حين تبادلنا عهود الزواج، لم تكن كلمة نعم مجرد كلمة تقال في لحظة عاطفية.
كانت شيئًا أعمق من ذلك بكثير.
كانت وعدًا طويلًا.
ووصولًا متأخرًا إلى حلم قديم.
ودليلًا حيًّا على أن بعض القصص لا تنتهي عندما تظن أنها انتهت.
بعد الحفل، جلسنا قليلًا وحدنا في الحديقة.
كان الليل قد بدأ يهبط ببطء، والأضواء الصغيرة المعلقة بين الأشجار تلمع مثل نجوم قريبة.
قال إمرة وهو ينظر إلى السماء
أتعلمين؟ كنتُ أظن دائمًا أن الحياة ستأخذنا في طريقين مختلفين إلى الأبد.
قلت
وأنا كنتُ أظن أنني ربما كنتُ مجرد ذكرى طفولية بالنسبة لك.
ابتسم وقال
كنتِ أكثر من ذلك بكثير.
سكت قليلًا، ثم أضاف
كنتِ وعدًا.
نظرتُ إليه بصمت.
قال
في أصعب الأيام عندما كنتُ أعمل ليلًا ونهارًا، أو عندما شعرتُ أن الطريق طويل جدًا كنتُ أتذكر تلك الطفلة الصغيرة التي قالت أمام الجميع إنها ستتزوجني.
ضحكتُ.

قال
لم أكن أعرف إن كان ذلك سيحدث حقًا لكن الفكرة نفسها كانت تجعلني أبتسم.
مددتُ يدي ولمستُ الخاتم في إصبعي.
كان بسيطًا، لكنه بدا لي أثمن من أي شيء.
قلتُ
الغريب أن تلك الطفلة لم تكن تفكر في المستقبل لم تكن تعرف شيئًا عن المسافات أو السنوات أو الظروف.
نظر إليّ مبتسمًا.
قلت
كانت تعرف فقط ما تشعر به.
أومأ برأسه وقال
وأحيانًا هذا يكفي.
مرت السنوات بعد ذلك، لكننا كنا دائمًا نعود في حديثنا إلى تلك اللحظة الأولى.
إلى الطفلة التي وقفت تبكي في ساحة البناية.
إلى الشاب الذي لم يعرف كيف يرد على إعلان زواج مفاجئ من فتاة في السابعة.
إلى الباب المغلق الذي بدا يومًا كأنه نهاية القصة.
لكن الحقيقة أن ذلك الباب لم يكن نهاية.
كان مجرد فصل مؤقت.
فالحياة أحيانًا تفرقنا لننضج.
وأحيانًا يضعنا القدر في طرق مختلفة كي نصبح أشخاصًا قادرين على الالتقاء من جديد.
وإن كان طريق شخصين مقدرًا له أن يلتقي حقًا
فإنه سيعود دائمًا إلى المكان الذي بدأ منه.
تلك الطفلة ذات الأعوام السبعة لم تكن تعرف شيئًا عن المسافات.
ولا عن الزمن.
ولا عن تعقيدات الحياة.
كانت تعرف فقط شعورًا بسيطًا في قلبها.
وبعد خمسة عشر عامًا
كان قلبها على حق.
لأن الحب الحقيقي لا يضيع.
قد يبتعد.
قد يختبئ خلف السنوات.
وقد يختبره
الزمن.
لكنه لا يختفي.
إنه ينتظر.
ينمو بصمت.
ويصبر.
وحين يحين وقته
يعود ليزهر من جديد، أقوى وأصدق مما كان.

 

تم نسخ الرابط