امي قالت عليا عار
حقيقة واحدة ومرة محدش هينقذنا. لازم أبني كل حاجة بنفسي.
وده اللي حصل.
اشتغلت وأنا سخنة، اشتغلت وليلى تعبانة، ونمت ساعتين في اليوم سنين. خدت شهادات دولية، ونقلت من قسم الشحن للإدارة، وبعدين لقطاع الطيران الخاص. بقيت الست اللي الرجالة ببدلهم الغالية بيعملوا لها ألف حساب بعد أول 5 دقايق في الأوضة. وفي سن ال 35، بقيت صاحبة واحدة من أكبر شركات الخدمات اللوجستية للطيران في المنطقة.
مش عشان عندي واسطة.
ولا عشان حد ساعدني.
عشان أنا أكتر واحدة عارفة يعني إيه يتقفل في وشك كل الأبواب، فاتعلمت إزاي أبني باب جديد.
ليلى كبرت في المكاتب، والمطارات، وقاعات المؤتمرات وهي معاها كراسة التلوين. خدت عيون ياسين وعنادي أنا. كانت ذكية وبتفهمها وهي طايرة. وفي يوم، وإحنا قاعدين في شقتنا الجديدة في الزمالك بنتعشى، سألتني مامي، أنا ليا جد وجدة؟
سكت ثانية. وقلت لها آه يا حبيبتي.
هما ماتوا؟
لأ.
طيب ليه مش بنشوفهم؟
الأطفال يستحقوا الحقيقة، بس مش كلها مرة واحدة.
قلت لها هما اختاروا طريق من زمان.. وأنا كمان اخترت طريقي.
بصت لي بعيونها الصافية وقالت هو أنا كنتِ اختيارك؟
زوري وجعني من الكلمة، وقلت لها بهمس إنتي كنتِ اختياري في كل مرة.
بعد شهرين، السكرتيرة دخلت لي بدعوة شيك جداً.
حفل تكريم مؤسسة عيلة المنصوري.. تكريم فريد ومديحة المنصوري على مجهوداتهم الخيرية.
أهلي.
كان المفروض أرميها في الزبالة. بس بصيت لها كتير، وقلت للسكرتيرة فضي لي المواعيد في اليوم ده.
فات 12 سنة من ليلة ما طردوني.
ودلوقتي، قررت إني جاهزة أوريهم إيه اللي عاش وكبر رغم كسرهم ليا.
الجزء الثالث المواجهة
الحفلة كانت فخمة.. رخام، مزيكا هادية، وناس غنية بتمثل التواضع. الصحفيين كانوا ماليين المدخل عشان آل المنصوري ليهم وزنهم في البلد. أهلي بيعشقوا الأماكن دي، اللي الناس فيها بتفتكر إن المنظرة هي الأخلاق.
وصلت متأخر.. بس تأخير محسوب.
دخلت القاعة وأنا ماسكة إيد ليلى. هي كانت لابسة فستان رقيق، وأنا كنت لابسة أسود شيك، وألماظ هادي، ونظرة ثبات انفعالي تعبت 12 سنة عشان أوصل لها.
أول ما دخلنا، كام حد بص لنا.. في الأول عشان الحراسة اللي معايا، وبعدين عشان حد عرفني من صورتي في المجلات الاقتصادية اللي نزلت قريب.
وفجأة، أمي شافتني.
عرفت اللحظة اللي عرفتني فيها بالضبط. ضحكتها اختفت، وكاس العصير في إيدها وقف في الهوا. أبويا بص ناحيتها، وشافني، وشه بقى أبيض زي الورق.
كبروا طبعاً.
ليلى شدت إيدي هما دول؟
آه يا حبيبتي.
هما يعرفوا عني حاجة؟
لأ.
أمي قربت أول واحدة، ورسمت ضحكة صفراء إيفلين! مفاجأة مش متوقعة.
بصيت في عيونها مساء الخير يا مديحة هانم.
عينيها نزلت على ليلى.. ولأول مرة في حياتي، أشوف أمي مش عارفة تنطق كلمة.
أبويا قرب براحة إيفلين..
نطق اسمي كأن له حق فيه.
قلت له دي ليلى.. بنتي.
أمي سألت بصوت واطي ومخلوق إنتي خلفتي؟
من 12 سنة، آه.. الدنيا بتجري حتى لو إنتوا وقفتوا مكانكم.
أبويا بص لليلى وبعدين بص لي ليه مقلتلناش؟
كنت هضحك من قلبي.
أقولكم؟ قلتها ببرود. الليلة اللي جدتها طردتني فيها، كنت حرفياً في الشارع. وبعد 6 أسابيع عرفت إني حامل. ياسين مات قبل ما يعرف حتى. دفنته لوحدي، ربيت بنتي لوحدي، بنيت كل ده لوحدي. شاورت على القاعة والناس وإنتوا ساعدتوني في ده جداً بقسوتكم.
أمي اتخشبت مش هنا الكلام ده.
رديت عليها لأ، إنتي اللي علمتيني إن المكان مش مهم.. المهم القوة والمظهر، مش كده؟
أبويا بلع ريقه بصعوبة إيفلين، إحنا غلطنا.
الكلمة دي كان وقعها غريب.. مش عشان ريحتني، بس عشان اكتشفت إن الكلمة اللي استنيتها سنين، طلعت أصغر بكتير من وجعي.
أمي منطقتش.. مقدرتش تعتذر عشان الاعتذار معناه إنها تهد الصنم اللي بنته لنفسها.
بصيت لليلى تحبي تسلمي عليهم؟
ليلى بصت لهم بذكاء.. غريبين عنها رغم إن دمهم واحد. قالت بكل أدب لأ، مش لازم.. أنا كويسة كده.
السكوت اللي حصل كان رهيب. أمي بربشت بعينيها كأنها خدت قلم تاني، بس المرة دي من طفلة.
عدلت وقفتي وقلت إحنا مش جايين عشان نتصالح. أنا جيت بس عشان بنتي تشوف إن لما حد يرفضك ويطردك، دي مش نهاية العالم.. دي ممكن تكون البداية.
طلعت ظرف من شنطتي واديته لمدير الحفلة تبرع بسيط.. باسم ياسين كول، لمنح دراسية لسلامة الطيران.
المبلغ كان كبير
لدرجة إن مدير الحفلة عينيه وسعت.
أمي بصت لي بآخر طاقة عندها إنتي جاية عشان تشمتي فينا وتصغرينا؟
بصيت لها لآخر مرة لأ.. أنا جاية عشان أوريكِ اللي فشلتِ في إنك تكسريه.
أخدت ليلى وخرجنا.. مشينا وسط الوشوش المصدومة والهمس اللي ملى القاعة لحد الباب.
بره، الهوا كان نضيف ونقي.
ليلى بصت لي مامي، إنتي زعلانة؟
افتكرت البنت اللي خرجت بشنطة واحدة ووش محروق من القلم. والست اللي عيطت في لوكاندة رخيصة. والأم اللي بنت إمبراطورية من مفيش.
قلت لها وأنا بفتح لها باب العربية لأ يا حبيبتي.. مش زعلانة
والمرة دي، وأنا ماشية وسيباهم ورايا، مابصيتش ورايا أبداً.