بابا اختي الصغيره

لمحة نيوز


— "العيال بخير."

 

هي همست:
— "الحمد لله."

خالد وقف شوية وبعدين قال:
— "اللي حصل خلاني أفهم حاجة… إن الفلوس لوحدها مش بتربي عيال."

شيرين بصت له باستغراب.

قال:
— "سيف ومريم محتاجين أب وأم… مش حرب بين اتنين كبار."

بعد شهور… اتفقوا إن الأولاد يعيشوا بين بيتهم الاثنين لكن من غير صراعات.

سيف رجع يضحك تاني. ومريم بقت تجري في الجنينه كل يوم.

وفي يوم وهم قاعدين كلهم على سفرة العشا… سيف بص لأبوه وقال:
— "بابا… أنا كنت فاكر إننا اتسبنا."

خالد مسح على شعره وقال:
— "لا يا حبيبي… عمري ما هسيبكم."

وفي اللحظة دي… فهم خالد إن أغلى حاجة في حياته ما كانتش الشركات ولا الملايين.

أغلى حاجة كانت صوت طفل بيقوله:
"بابا."

مرت شهور بعد الحادثة اللي قلبت حياة خالد رأسًا على عقب. البيت الكبير اللي كان زمان هادي زيادة عن اللزوم بقى فيه صوت خطوات صغيرة وضحك أطفال. سيف بقى يروح المدرسة من بيت أبوه أغلب الأيام، ومريم بقت تتحسن تدريجيًا بعد الأزمة الصحية اللي مرت بيها. لكن رغم إن الحياة بدأت تستقر، كان في حاجة تقيلة لسه معلقة في الجو… إحساس

إن اللي حصل كشف جروح قديمة ما اتعالجتش.

خالد بقى يقضي وقت أطول مع أولاده. لأول مرة من سنين بقى يوصل سيف للمدرسة بنفسه، ويستناه وهو خارج من الفصل، ويقعد يسمع حكاياته عن المدرسين وأصحابه. وفي المساء كان يقعد مع مريم يرسموا سوا على الأرض في الصالة الكبيرة. كان بيحاول يعوضهم عن سنين كان فيها موجود بالجسد بس… مش بالوقت ولا الاهتمام.

أما شيرين فكانت لسه في مرحلة التعافي. الحادثة اللي حصلت لها ما كانتش بسيطة. رجلها كانت مكسورة واحتاجت شهور علاج طبيعي. خالد رغم كل اللي بينهم، ما قدرش يسيبها لوحدها. كان بيبعت حد يساعدها في البيت، وأحيانًا يروح بنفسه يطمن عليها. العلاقة بينهم ما رجعتش زي زمان، لكن العداء القديم بدأ يهدى.

في يوم من الأيام، كان خالد قاعد في مكتبه في البيت، بيشتغل على اللابتوب، لما سيف دخل عليه بهدوء. كان باين عليه متردد.

خالد رفع عينه وقال مبتسم:
"تعالى يا بطل… في إيه؟"

سيف وقف شوية عند الباب وبعدين قال:
"بابا… ممكن أسألك حاجة؟"

"طبعًا."

سيف بلع ريقه وقال:
"هو ماما كانت هترجع لنا لو ما حصلهاش الحادثة؟"

السؤال وقع

على خالد زي حجر. فضل ساكت لحظة، وبعدين قفل اللابتوب وبص لابنه.

قال بهدوء:
"أيوه يا سيف… مامتك عمرها ما كانت هتسيبكم."

سيف بص في الأرض وقال:
"أنا كنت فاكر إنها مش عايزانا."

خالد حس بوخزة في قلبه.

"لا يا حبيبي… الكبار ساعات بيغلطوا، بس ده ما معناهش إنهم ما بيحبوكمش."

سيف سكت شوية وبعدين قال:
"طب وإنت يا بابا… ليه ما كنتش بتزورنا كتير؟"

السؤال ده كان أصعب من اللي قبله. خالد أخد نفس طويل وقال بصراحة:

"عشان كنت فاكر إن الفلوس والشغل أهم… وده كان أكبر غلط عملته."

سيف رفع عينه وبص له.

"بس دلوقتي إنت معانا."

خالد ابتسم ومسح على شعره.

"ودلوقتي مش هسيبكم تاني."

في نفس الوقت تقريبًا، كانت شيرين قاعدة في بيتها الصغير بتعمل تمارين العلاج الطبيعي لما حد خبط على الباب. لما فتحته لقت خالد واقف.

استغربت وقالت:
"في حاجة حصلت؟"

قال:
"لا… بس كنت معدي قريب فقلت أطمن."

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
"الأولاد عاملين إيه؟"

"كويسين… سيف بقى أشجع شوية، ومريم بقت بتجري في البيت كأنها ما كانتش تعبانة."

شيرين سكتت لحظة وبعدين قالت:
"أنا عارفة

إني غلطت يومها… لما سبتهم."

خالد قال بهدوء:
"إحنا الاتنين غلطنا… مش إنتي بس."

بصت له باستغراب.

قال:
"أنا كنت بعيد عنهم سنين… حتى وأنا موجود."

شيرين اتنهدت وقالت:
"يمكن اللي حصل ده كان لازم يحصل عشان نفوق."

خالد هز راسه موافق.

بعد شوية سألته:
"الأولاد ممكن ييجوا يقعدوا معايا يومين؟"

خالد فكر لحظة وبعدين قال:
"أكيد… هم محتاجينك."

بعد أسبوع، سيف ومريم كانوا في بيت أمهم. البيت اللي كان فاضي بقى فيه صوت لعب وضحك تاني. شيرين كانت بتطبخ لهم بنفسها لأول مرة من فترة طويلة، وسيف كان بيساعدها وهو واقف على كرسي صغير.

قال لها فجأة:
"ماما."

"نعم يا حبيبي."

"أنا زعلت منك يومها… بس دلوقتي مش زعلان."

شيرين وقفت لحظة وبصت له.

"ليه؟"

سيف ابتسم وقال:
"عشان بابا قال إن الكبار ساعات بيغلطوا."

الدموع لمعت في عينها.

وقالت:
"وأنا وعد… مش هسيبكم تاني."

وفي المساء لما رجع خالد ياخدهم، لقى سيف ومريم نايمين على الكنبة جنب أمهم. وقف عند الباب يتفرج عليهم شوية.

المشهد كان بسيط… لكنه كان أهم من أي صفقة أو شركة.

أولاده أخيرًا حاسين بالأمان.

وفي اللحظة دي فهم خالد إن النجاح الحقيقي ما كانش في الملايين اللي جمعها… النجاح الحقيقي كان إنه قدر يصلح العيلة قبل ما تضيع للأبد.

تم نسخ الرابط