مافي ذلك اليوم
ما في ذلك اليوم عندما دفنت زوجي ماتت المرأة الضعيفة داخليواستيقظ السر المخفي في جدران عام 1962
لن أنسى أبدا رائحة ذلك اليوم فبعض الروائح تلتصق بالروح إلى الأبد. كانت رائحة التراب المبتل بمطر الصباح وزهور القطيفة الذابلة وقهوة قديمة أعيد تسخينها مرات كثيرةتلك القهوة التي تباع في الدكان الصغير أمام بيت العزاء في القرية. أقيمت جنازة أنطونيو صباح يوم سبت في قرية نائية بين جبال أواكساكا حيث تدق أجراس الكنيسة بالطريقة نفسها للأفراح والأحزان. كان السماء منخفضة وبنية إلى حد بدا وكأنها ستسقط علينا كأن الله نفسه قد تعب مما يحدث في الأسفل.
كنت أقف أمام القبر أرتدي السواد بالكامل فستانا استعرته من جارتي لأن ملابسي لم تعد تناسبني بعد الحمل. لم يكن لدي ما أشتري به شيئا لائقا. كنت أحمل طفلي ماتيو ذي الستة أشهر ملفوفا ببطانية رقيقة مرت على أيد كثيرة قبله. وبيدي الأخرى أمسك يد ابنتي لوسيا ذات الأربع سنوات كانت يدها باردة ومتعرقة
فجأة وببراءة تؤلم أكثر من أي جرح شدت لوسيا طرف وشاحي وسألت بصوت خافت يكاد يكون خائفا
أمي هل سيعود أبي عندما يردمون الحفرة
شعرت بشيء ينكسر في داخلي. فتحت فمي لأجيب لكن لم يخرج صوت. كان في حلقي عقدة وكانت عيناي جافتينلا لأنني لا أريد البكاء بل لأن الخوف كان قد شرب دموعي كلها. ضممتها بقوة كأنني أستطيع أن أحميها من حقيقة لم أفهمها أنا نفسي بعد.
مات أنطونيو فجأة. حادث في الحقل هكذا قالوا. لم يشأ أحد أن يذكر تفاصيل كثيرة. في القرية حين يأتي الموت يقبل ويحاط بالصمت خاصة عندما يخدم ذلك مصالح معينة. بالكاد كان لدي وقت لأستوعب أنني أصبحت وحدي مع طفلين صغيرين ولا أملك شيئا يمكن أن أسميه ملكي.
كان أخوا أنطونيو هناك أيضا أوسيبيو ورامون. رجلان ضخمان عريضا الظهر أيديهما يابسة من العمل ونظراتهما قاسية كالحجر. منذ اليوم الأول أوضحا أنهما لا
حين ألقيت آخر حفنة تراب وانتهى القس من صلاته بدأ الناس يتفرقون. بعضهم واساني بعبارات محفوظة وبعضهم خفض نظره كأن مصيبتي معدية. وعند بوابة المقبرة أوقفني أوسيبيو. وضع يده الثقيلة على كتفي وضغط أكثر مما ينبغي.
كارمن قال دون أن ينظر في عيني علينا أن نتحدث عن الميراث.
بدت الكلمة ساخرة. لم يكن باسم أنطونيو شيء. كان يعمل من الفجر حتى الغروب بأجر زهيد في أرض أبيه المشتركة. كنا نسكن بيتا قديما ليس لنا بل للعائلة.
أي ميراث يا أوسيبيو سألت بصوت مرتجف وأنا أهدئ ماتيو الذي بدأ يبكي جوعا.
أطلق رامون الذي كان خلفه يشعل سيجارة ضحكة قصيرة جافة لا تبشر بخير.
اسمعي يا امرأة البيت الذي
شعرت بالأرض تنسحب من تحت قدمي.
وأطفالي وأنا أين سنعيش
تنهد أوسيبيو متظاهرا بالصبر.
هناك كوخ صغير في أعلى الجبل قرب المجرى الجاف. قديم نعم لكنه يصلح. سننقله باسمك عند الكاتب بالعدل.
يجب أن تكوني ممتنة قال رامون نافثا الدخان. كثير من الأرامل لا يحصلن على شيء.
لم أجادل. لم أصرخ. كنت أعلم أنني بلا قوة ولا سند. أومأت فقط. وفي تلك الليلة عدت إلى بيت لن يعود لي بعد ثلاثة أيام.
كان الكوخ بعيدا يبعد ساعة مشيا عن آخر طريق ترابي. صعدنا في شاحنة أوسيبيو القديمة. حين نزلت ورأيته لأول مرة شعرت بفراغ في بطني. مبنى حجري قديم مغطى بالطحالب سقفه مثقوب بابه متعفن. لا نوافذ فقط فتحات مغطاة بألواح. الأرض تراب رطب والهواء مشبع برائحة الهجران.
هذا هو قال أوسيبيو وهو يرمي إلي مفتاحا صدئا. الآن هو لك.
صعدا إلى الشاحنة وضحكا وهما يبتعدان وسط