ترملت امرأه
سوى سؤال واحد لا يجرؤون على صياغته. وكان تونيو أول من تجرأ على كسر ذلك السكون الثقيل.
أمي أتظنين أن أبي جاء إلى هنا قبل أن يموت
كان صوته مبحوحا لا من البكاء بل من محاولة التماسك. لم يعد طفلا تماما لكنه لم يكن رجلا بعد.
أومأت إلينا ببطء وغصة حادة تعتصر حلقها.
أظن قالت وهي تحدق في الصليب أنه أراد أن يترك لنا أثرا علامة طريقا.
مدت أصابعها المرتجفة إلى الصليب الفضي ومسحت عنه طبقة الغبار المتراكم. بدا الضوء المنعكس عليه خافتا لكنه ثابت كنبض لا يريد أن يخبو.
وفجأة
اهتز الهواء.
لم يكن صوتا بل إحساسا. شيء تغير في داخل المغارة. كأنها تنفست بعد سبات طويل.
بدأت الجدران تتوهج.
ليس توهج نار أو شعلة بل إشراقة داخلية كأن الحجر نفسه ينبض. النقوش المحفورة تلك الخطوط القديمة والرموز المتشابكة والدوائر الحلزونية بدأت تستيقظ. كل خط اشتعل ببريق ذهبي وكل رمز أضاء كنجمة صغيرة.
انعكس الضوء على وجوه الأطفال. على عيونهم الواسعة. على شفاههم المرتعشة.
تراجعت إلينا خطوة وهي تضم ماتيو إلى صدرها بقوة.
ما هذا
لم يكن السؤال موجها لأحد. كان موجها للغيب.
ومن عمق
انبثق صوت.
غليظ.
عميق.
كأن مئات الأصوات تتنفس في وقت واحد.
لم يكن تهديدا.
لم يكن غضبا.
كان حزنا قديما.
كصلاة تقال منذ قرون.
أمي همس خوان المغارة تبكي.
نظرت إلينا إلى الأعلى.
كانت قطرات الماء تتساقط من السقف لكن الصوت لم يكن صوت ماء فقط. كان رجع أنين ممتد يتردد بين الصخور.
وعندها فهمت.
لم تكن المغارة مسحورة.
كانت مأوى.
ملجأ حفره الزمن.
مقدسا نسيه البشر.
يحرسه الجبل نفسه.
مكانا تستريح فيه أرواح عمال المناجم الذين ابتلعتهم الأرض ولم يعترف بهم يوما ولم يشيعوا كما ينبغي.
رجال دفنوا تحت الصخور
وظلت الجبال تحفظ أسماءهم في جوفها.
اقتربت إلينا من المذبح الحجري.
ركعت.
وضعت الصليب فوق قلبها.
وأغمضت عينيها.
إن كنت تسمعني يا مانويل فقد فهمت.
في تلك اللحظة
دوى صراخ عند المدخل.
هنا دخلوا!
أخرجوهم!
أحياء أو أمواتا لا يهمني!
كان صوت دون روتيليو نفسه. حادا. متعجرفا. ممتلئا بالملكية.
تجمد الأطفال في أماكنهم.
أنفاسهم توقفت.
حتى اللهب المرتجف الذي كان في يد تونيو بدا كأنه يخشى الحركة.
اهتزت الأرض.
لكن هذه المرة
لم تكن رجفة خفيفة.
ولا همسة خافتة.
بل زئيرا.
زئير جبل استيقظ.
سقطت حجارة من المدخل.
تعالت صرخات الرجال.
تراجعوا!
ستدفننا!
اللعنة على هذه المغارة!
عوت الكلاب مذعورة.
تعثر الرجال.
سقطت المشاعل.
وتدحرجت ألسنة النار على الأرض قبل أن تخمد تحت المطر.
ثم
انفجر صوت صخرة كبرى وهي تنزلق.
وارتطم شيء هائل عند المدخل.
ثم سكون.
صمت ثقيل.
مطبق.
تام.
لم يعد يسمع سوى أنفاسهم.
وضعت إلينا يدها على فمها كي لا ينفلت منها بكاء الارتياح.
لم يكونوا مدفونين.
لكن الذين أرادوهم مدفونين انسحبوا.
اقترب الضوء.
نعم الضوء.
لم يكن توهج الجدران وحده. بل تجمع مضيء أخذ يتشكل أمام المذبح.
ظل من نور.
ملامح غير مكتملة.
لكن واضحة بما يكفي.
تجمع الأطفال خلف أمهم.
مدت إلينا يدها
ومد الشكل يده أيضا.
لم يكن جسدا.
لم يكن شبحا.
كان ذكرى متجسدة.
لثانية واحدة لكنها بدت أبدية شعرت بحرارة كف مألوفة.
كف خشنة.
دافئة.
قوية.
كف مانويل.
لم تر وجهه.
لم تسمع صوته.
لكنها عرفت.
شكرا همست.
لم يكن الشكر على الحماية فقط.
بل على الإرشاد.
تلاشى الشكل.
انطفأ الضوء تدريجيا.
هدأت الجدران.
وتوقفت النقوش عن الاشتعال.
ولم يبق سوى سبعة
صمت لم يعد مخيفا.
بل حارسا.
ناموا تلك الليلة في حضن المغارة.
لأول مرة منذ أيام نام الأطفال بلا ارتجاف.
عند الفجر
هدأت العاصفة.
تسرب خيط من ضوء باهت عبر شقوق بعيدة.
كان تونيو أول من استيقظ.
تجول بحذر.
وفي أقصى القاعة خلف كتلة صخرية لاح ممر ضيق.
لم يكن ظاهرا من قبل.
كأنه لم يخلق إلا بعد أن أغلق المدخل.
عاد إلى أمه.
أمي هناك طريق.
تفقدته إلينا.
كان ضيقا لكن يمكن العبور منه زحفا.
دخلوا واحدا تلو الآخر.
ساعات طويلة مرت.
ظلام.
ثم ضوء خافت.
ثم هواء مختلف.
حتى انفتح الممر فجأة.
وانسكبت الشمس عليهم دفعة واحدة.
خرجوا إلى واد لم يعرفوه من قبل.
أرض خضراء.
ماء جار.
أشجار مثمرة.
سماء صافية.
لا أثر لدخان المناجم.
ولا صدى لأوامر جائرة.
وقفت إلينا طويلا.
تنفست بعمق.
لم يكن مجرد واد.
كان بداية.
رفعت ماتيو عاليا نحو الشمس.
نظرت إلى أطفالها الستة الآخرين.
هنا نبدأ من جديد.
وهذه المرة لن يسلبنا أحد شيئا.
لم يكن في كلماتها تحد فقط.
بل وعد.
ابتسم الأطفال.
ابتسامة حقيقية.
أول ابتسامة منذ أن دفنوا أباهم.
وخلفهم
بعيدا جدا
ظلت سييرا
لكن صمتها لم يكن فراغا.
كان صمتا يرافق.
يحرس.
ويذكر.
لأن بعض المغارات لا تخلق لتخيف.
بل لتحتضن من لا يملك مكانا آخر.
ولأن بعض الجبال
تختار جانبها.