اخبرت جارتي
من قبل
لا ننكر أن الوضع صعب لكنه مختلف عما رأيناه سابقا. من الواضح أن هناك شبكة دعم حقيقية هنا.
شعرت بيد لوسيا تشد على يدي. كانت باردة باردة جدا كأنها تخشى أن تختفي هذه اللحظة إن لم تتمسك بها.
لست مثالية قالت بصوت مرتجف لكنه ثابت بما يكفي ليقاوم أخطئ كثيرا وأتعلم كل يوم. لكنني مستعدة لقبول أي مساعدة أي شيء فقط ليبقى إخوتي معا.
ساد صمت قصير. تبادلوا النظرات فيما بينهم ثم أومأت المرأة الأكبر سنا برأسها ببطء.
سنواصل متابعة الحالة قالت لكن في الوقت الحالي لن يتم فصل الأطفال.
لا أعرف كيف تمكنت من التنفس. شعرت وكأن صدري كان مغلقا لأيام ثم فتح فجأة. سمعت آنا تنفجر بالبكاء بكاء حادا خرج منها دفعة واحدة وكأنها كانت تحبس خوفها طوال الأسابيع الماضية. رأيت التوأمين يعانقان لوسيا بقوة كأن تركها يعني ضياع العالم بأكمله.
مر الوقت بعد ذلك ولم يتحول إلى حلم وردي كما في القصص التي تحكى للأطفال قبل النوم. لم تختف الصعوبات ولم تتلاشى المخاوف فجأة بل ظلت معنا تتبدل أشكالها فقط. كانت الحياة تمضي ببطء ثقيل يوما بعد يوم اختبارا بعد اختبار وكأنها تريد أن تتأكد من أننا ما زلنا قادرين على الصمود.
كانت هناك أيام ينقطع فيها التيار الكهربائي لساعات طويلة فنشعل شمعة واحدة ونجتمع حولها نراقب ظل اللهب على الجدران المتشققة. كنا نضحك أحيانا بلا سبب واضح فقط لنخفي قلقنا
كانت هناك لحظات رعب حقيقية لا تنسى. حين ارتفعت حرارة صموئيل فجأة في منتصف الليل وحين لم يتوقف بكاؤه رغم كل محاولاتنا. أتذكر كيف حملته لوسيا بين ذراعيها ووجهها شاحب وشفتيها تتمتمان بالدعاء دون صوت. جلسنا في غرفة الانتظار في العيادة ساعات طويلة نراقب عقارب الساعة بقلق نخشى أن نفقده كما فقدنا أشياء كثيرة من قبل الطمأنينة الطفولة الإحساس بأن هناك من يحمي ظهورنا.
لكن وسط كل ذلك كان هناك فرق واحد لا يمكن إنكاره
أننا لم نعد وحدنا.
بدأت أتحمل مسؤوليات أكثر دون أن أشعر. في الثانية عشرة من عمري تعلمت كيف أعد الحساء البسيط من مكونات قليلة وكيف أغير الحفاضات دون أن أرتبك أو أتذمر وكيف أشرح لخورخي مسائل الرياضيات ببطء وصبر لم أكن أعلم أنني أملكه. صرت أستيقظ أبكر وأفكر قبل أن أتصرف وأحسب حساب إخوتي قبل نفسي. لم أعد مجرد الابن الثاني كما كنت أسمع من قبل. أصبحت أخا أكبر بحق. كان ذلك عبئا ثقيلا على كتفي نعم لكنه كان عبئا يمنحني شعورا غريبا بالفخر كأنني أثبت لنفسي أنني قادر
أما لوسيا فقد سجلت نفسها في دورات صباحية للحصول على شهادة تقنية. لم يكن الأمر سهلا. كانت تدرس بين مسؤولية وأخرى بين طفل يبكي وواجب مدرسي يحتاج إلى تصحيح. كانت تقرأ الكتب بعينين متعبتين وتدون الملاحظات بينما يغلي الطعام على الموقد. أحيانا كنت أراها جالسة إلى الطاولة وضوء الشمس يتسلل عبر النافذة ليضيء وجهها الشاحب لكنه كان وجها مصمما عنيدا يرفض الاستسلام مهما ضاق الأفق. وللمرة الأولى منذ رحيل أمنا لم يعد المستقبل يبدو كجدار مسدود بلا مخرج بل كطريق طويل متعب لكنه ممكن.
أما أمنا فبقينا نتحدث عنها قليلا وكأن اسمها صار هشا نخشى أن ينكسر إن أكثرنا ترداده. ذات مساء حين خيم الهدوء على البيت سألت آنا بصوت خافت بالكاد يسمع
هل تتذكرنا أمنا
ساد صمت طويل. صمت ثقيل محمل بأشياء لم نعرف كيف نعبر عنها. نظرت لوسيا إلى الأرض ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بهدوء لم أسمعه منها من قبل
ربما وربما لا. لكن هذا لا يغير حقيقة واحدة نحن نتذكر بعضنا.
لم يجادل أحد. لم يسأل أحد المزيد. تعلمنا مع الوقت أن نعيش مع الأسئلة التي لا إجابة لها وأن نواصل السير رغم ذلك لأن التوقف كان يعني السقوط.
بعد عام كامل في عيد ميلاد صموئيل الثاني أقمنا حفلة صغيرة في فناء الحي. لم يكن هناك شيء فاخر أو منظم. فقط كعكة بسيطة خبزتها السيدة مرسيدس بيديها وبالونات قديمة
جلست في زاوية أراقب إخوتي وهم يركضون أصوات ضحكاتهم تختلط بالموسيقى الخفيفة وأراقب لوسيا وهي تحمل صموئيل بين ذراعيها بينما ينفخ الشموع بضحكة بريئة. وفي تلك اللحظة فهمت شيئا لم يخطر لي من قبل
العائلة ليست فقط من يمنحك الحياة العائلة هي من يختار أن يبقى حين يكون الرحيل أسهل.
في تلك الليلة بعد أن غادر الجميع جلسنا أنا ولوسيا أمام البيت. الهواء كان عليلا والشارع هادئا على غير عادته.
هل ندمت سألتها بعد تردد على بقائك على تحمل كل هذا
ابتسمت. كانت متعبة نعم لكن في عينيها طمأنينة لم أرها منذ زمن طويل.
هناك أيام أخاف فيها كثيرا اعترفت بصوت منخفض أخاف من الغد ومن العجز ومن أن أخذلكم لكنني لم أندم يوما.
مدت يدها وربتت على رأسي كما كانت تفعل أمنا قديما بحنان صامت.
لا نختار كيف نبدأ قالت لكننا نختار كيف نكمل.
رفعت رأسي إلى السماء. لم تكن مميزة ولا مختلفة عن أي سماء أخرى. مجرد نجوم عادية متناثرة في العتمة. لكنني ولأول مرة منذ زمن طويل لم أطلب شيئا. لم أتمن معجزة ولم أسأل عن المستقبل. فقط شكرت الله لأننا
معا.