اختفت فتاه

لمحة نيوز

لم يسمح لنفسه قط.
كان تحديد الهوية بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنة بسجلات قديمة. كل خطوة كانت تطيل الانتظار وتزيد النتيجة واقعية. وفي أثناء ذلك كانت البلدة تراقب بعضهم بفضول بعضهم بخوف. لأن وجود مارينا هناك كل هذا الزمن يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.
بدأ الصحفيون يصلون أولا من الإذاعات المحلية ثم قنوات إقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث قد تقاعد لكن اسمه عاد يتردد. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي عام 1976 كان أعلى سلطة شرطية في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر من يديه.
كان للبيت الذي عثر فيه على الجثة تاريخ. كان قد يعود لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتنقل بين ملاك دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا يجب أن يعثر عليه.
أكد خبراء الطب الشرعي أن البقايا ظلت في ذلك المكان عقودا. لم يمكن تحديد سبب الوفاة يقينا لكن كانت هناك مؤشرات واضحة على عنف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.
حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت أن ترى حقيبة مارينا. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. ما إن رأتها حتى ارتجفت يداها. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها حين تمزق. كان دليلا صامتا لكنه قاطعا. كانت مارينا هناك. وكانت قد ماتت هناك.
كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا كأنه من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات للتعزية. بعضهم بدموع صادقة وبعضهم بكلمات فارغة. كانت كارمن تسمع الجميع لكن ذهنها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.
أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنتها السنوات عادت إلى السطح. راجع المحققون الملفات القديمة واستجوبوا أشخاصا كانوا شبابا عام 1976 وأصبحوا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.
كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أبناء
وحياة بنيت على طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت بأنها عادت في العمر أربع عشرة سنة. كررت روايتها الوداع المشي لا شيء غير طبيعي. لكن هذه المرة انكسر صوتها لأنها تعرف الآن كيف انتهت القصة.
بدأت أسماء تظهر همسا رجال عاشوا قرب الطريق الذي كانت مارينا تسلكه أشخاص غادروا البلدة تعليقات كانت قد رفضت آنذاك كثرثرة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تظهر ناقصة متكسرة.
تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس ظاهرا بل عميقا. صار الكلام أقصر والنظرات أطول.
لأن الهيكل العظمي تحت البيت لم يكشف جريمة فقط بل كشف أيضا عقدا صامتا من الإهمال والخوف واللامبالاة.
عادت كارمن إلى غرفة مارينا لأول مرة منذ سنوات. فتحت الخزانة لمست الملابس جلست على السرير. لم تبك. شعرت بشيء آخر سكينة حزينة. معرفة مكان ابنتها لا تعزيها لكنها أزالت ثقلا لا يحتمل اسمه عدم اليقين.
كانت العدالة تتحرك ببطء كالعادة. ربما ببطء شديد بحيث فات الأوان لمعاقبة المسؤولين. لكن بالنسبة لكارمن ولذكرى مارينا ولبلدة تعلمت الصمت لم يعد الصمت خيارا.
لأن بعض الجدران مهما بدت صلبة لا بد أن تنهار.
لم يؤد فتح ملف مارينا سانتوس إلى تحريك الملفات المغبرة فحسب بل نبش شيئا أكثر إزعاجا ذاكرة البلدة الانتقائية. لسنوات كانت سان فيسنتي ديل سور تتعايش مع الغياب كما لو أنه جزء من المشهد. كان اسم مارينا يذكر أحيانا في ذكريات خافتة أو أحاديث هامسة. لكن الآن مع وجود دليل مادي ومسرح جريمة محدد لم يعد هناك مجال للغموض.
وصل المدعي العام الجديد إستيبان رولدان من العاصمة بسمعة أنه شديد الدقة. لم يكن شابا ولا جذابا في حضوره لكنه امتلك شيئا يزعج الآخرين كان يصغي أكثر مما يتوقعون. أمضى أيامه الأولى دون تصريحات يقرأ كل صفحة من الملف الأصلي يدون ملاحظات بيده يضع علامات على التواريخ والأسماء والتناقضات. ما وجده لم يكن مجرد إهمال بل سلسلة قرارات صغيرة حين تراكمت جعلت القضية تتلاشى.
في عام 1976 سجل البلاغ رسميا بصورة صحيحة لكن البحث كان قصيرا وفوضويا. لم تجر عمليات تمشيط واسعة. لم تفتش البيوت القريبة. لم يستجوب بعض الجيران بجدية. بدا كل شيء كأنه توقف بسرعة غير مبررة كأن
أحدا ما قرر أن الاستمرار لا يستحق.
طلب رولدان إعادة استجواب هيكتور رويث. كان المفوض المتقاعد يعيش الآن في بيت متواضع على بعد بضعة شوارع من المركز. كان في التاسعة والسبعين ظهره محني ويداه ترتجفان باستمرار. حين فتح الباب ورأى بطاقة المدعي العام لم يبد متفاجئا بقدر ما بدا مرهقا كأنه كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أو آجلا.
دامت المقابلة أكثر من ثلاث ساعات. أصر رويث على أنه فعل ما استطاع ضمن موارد ذلك الزمن. تحدث عن السياق عن فوضى البلد عن أوامر تأتي من الأعلى عن أولويات غير معلنة. تجنب ذكر الأسماء. وكلما حاول رولدان الدخول في تفاصيل قرار بعينه حول رويث الكلام إلى عموميات. ومع ذلك كان هناك لحظة شبه غير مرئية انكسر فيها صوته عندما ذكر المدعي العام البيت الذي عثر فيه على الجثة.
ذلك البيت كان في عام 1976 ملكا لرجل اسمه إرنستو ليديسما.
لم يظهر الاسم كمشتبه به في الملف الأصلي. ورد بالكاد في شهادة جانبية بوصفه جارا من المنطقة. كان ليديسما موظفا بلديا مسؤولا عن الصيانة. رجلا وحيدا بلا أسرة قريبة معروفا بطباعه المنعزلة. مات عام 1998 رسميا لأسباب طبيعية.
طلب رولدان مراجعة كل ما يخص ليديسما. ووجد أمرا لافتا خلال الأيام التي تلت اختفاء مارينا كان ليديسما قد طلب إجازة أسبوع من عمله. لم تسجل أي أسباب. ولم يعتبره أحد ذا صلة آنذاك.
حين بدأ المحققون يسألون جيرانا قدامى خرجت ذكريات مزعجة تعليقات لم تتحول يوما إلى بلاغات نظرات ملحة شجار في الشارع مع مراهقة قبل سنوات. لا شيء حاسم وحده لكنه مقلق حين يجمع.
استدعيت لوسيا مرة أخرى. وهذه المرة كان السؤال مختلفا. لم يريدوا منها تكرار ما حدث في ذلك اليوم فقط بل أن تتحدث عن البيئة عن رجال الحي عن التحذيرات التي كانت تتداولها الفتيات فيما بينهن ولا يأخذها أحد بجدية. ترددت لوسيا عضت شفتها ثم تكلمت.
قالت إن مارينا ذكرت لها قبل أسابيع من اختفائها رجلا كان يراقبها حين تعود من المدرسة. لم تعرف اسمه لكنها قالت إنه يسكن قرب بيت قديم وكان دائما يصلح الأشياء ويبدو لطيفا لكنه ملح. لم تعر لوسيا الأمر اهتماما آنذاك. لم تعره أي منهما اهتماما. كانتا في الرابعة
عشرة وكانتا معتادتين أن تكون مثل هذه الأشياء جزءا من اليوم.
غيرت هذه الشهادة مسار التحقيق.
ورغم أن إرنستو ليديسما كان قد مات لم تغلق القضية. لم يكن الهدف فقط العثور على مذنب حي بل إعادة بناء الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفهم كيف يمكن لمراهقة أن تختفي في وضح النهار دون أن يتدخل أحد.
فحص البيت مجددا. كشفت تعديلات إنشائية لا تظهر في المخططات الأصلية. كان الجدار الزائف في القبو قد بني بعد وقت قصير من عام 1976 بمواد من تلك الحقبة. لم يكن حادثا. كان قرارا واعيا. أراد أحدهم إخفاء شيء إلى الأبد.
كانت كارمن تتابع كل تطور بمزيج من الراحة والألم. المعرفة لا تجعل الألم أقل لكنها أعادتها إلى شيء افتقدته أن تشعر أن مارينا كانت تعني شيئا وأن قصتها لن تختزل إلى هامش.
في البلدة تباينت ردود الأفعال. طالب بعضهم بعدالة رمزية بينما تمنى آخرون أن يدفن الماضي من جديد. دافع البعض عن ذكرى ليديسما بحجة أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وكان رولدان واضحا في مؤتمر صحفي المسألة ليست انتقاما بل حقيقة تاريخية.
نظمت مسيرة صامتة. شموع صور أسماء. لا من أجل مارينا وحدها بل من أجل غيابات أخرى لم تحقق كما يجب. كانت تلك أول مرة تنظر فيها سان فيسنتي ديل سور إلى نفسها دون أقنعة.
في إحدى المقابلات الأخيرة سأل رولدان كارمن عما ترجوه الآن. فكرت قليلا قبل أن تجيب. لم تتحدث عن عقاب ولا عن تسامح. قالت شيئا أبسط وأصعب ألا يعود أحد ليقول إن فتاة هربت فقط لأن هذا أسهل عليهم أن يصدقوه.
خلص التقرير النهائي إلى أن مارينا سانتوس كانت ضحية قتل ارتكبه إرنستو ليديسما مع وجود أدلة ظرفية قوية لكن دون إمكانية لمحاكمة جنائية. وأشار التقرير أيضا إلى إخفاقات خطيرة في التحقيق الأصلي وأوصى بمراجعة الإجراءات في قضايا اختفاء القاصرين.
حين أغلق الملف رسميا أخذت كارمن حقيبة مارينا إلى المقبرة. لم تدفنها. وضعتها مسندة إلى جوار شاهد قبر جديد يحمل الاسم الكامل والتواريخ التي لم تكن موجودة لسنوات. بقيت هناك طويلا في صمت.
سقط الجدار. ليس جدار القبو فقط بل جدران أخرى غير مرئية بنيت بالخوف واللامبالاة وراحة عدم السؤال.
وبالرغم من أن الحقيقة جاءت متأخرة
فقد جاءت. وأحيانا هذا كل ما يبقى
تم نسخ الرابط