التقطي هذا من على الارض
ركعت ميا ببطء.
كأن الزمن توقف داخل مطعم لو سييل. غرق صوت أدوات المائدة في صمت ثقيل وأضحت الأضواء التي كانت تبرز الذهب والكريستال ببرود مفاجئ كأنها تشهد جريمة لا يريد أحد الاعتراف بها.
كان لحم الواغيو الفاخر ممددا على الأرض الطبق محطم والصلصة الحمراء منتشرة كأنها دم. كانت العيون كلها موجهة نحو ميا المستثمرون ببدلاتهم الرسمية السيدات بأقراطهن المرصعة بالألماس الطهاة خلف الزجاج وزميلاتها النادلات اللواتي ارتجفن على الأطراف.
ركعت ميا.
ارتسمت ابتسامة شماتة على وجه السيد غوزون.
قال بصوت منخفض لكن كلماته كانت مسمومة
هيا أسرعي. لا تضيعي وقت ضيوفي.
أخذت ميا نفسا عميقا. كانت يداها مستندتين إلى الأرض ترتجفان. الدموع ظاهرة على وجهها لكن شيئا ما تغير في ملامحها كأن بابا كان يفتح ببطء في داخلها.
لم تلتقط اللحم.
بل نهضت.
خطوة واحدة. ثم ثانية. ظهرها مستقيم. ورفعت رأسها.
قطب السيد غوزون حاجبيه.
ماذا تفعلين
لم تجب ميا. مدت يدها إلى رباط المئزر عند خصرها. وبهدوء تام بلا غضب ولا تسرع نزعته وأسقطته فوق الطبق المحطم.
كأن همهمة انفجرت في أرجاء المطعم.
ما هذا! صاح غوزون. هل فقدت صوابك!
نظرت ميا إليه. ولأول مرة منذ دخولها لو سييل كان نظرها مباشرا بلا انحناء بلا خوف.
قالت بصوت منخفض لكنه واضح
أنت مطرود.
عم الاضطراب.
ماذا! صرخ غوزون ضاحكا من شدة الغضب. أنت من يطرد! ومن تكونين حتى
لم يكمل
تصفيق وحيد.
بطيء. ثابت.
صدر من الطاولة البعيدة طاولة كبار المستثمرين.
نهض رجل ببدلة رمادية. شعره أبيض عيناه حادتان وتحيط به هالة من سلطة لا تحتاج إلى صراخ. كان الجميع يعرفه.
لوران دوفال.
مؤسس مجموعة دوفال للضيافة. مالك مطعم لو سييل.
شحب وجه السيد غوزون.
سسيد لوران تمتم. لم أكن أعلم بوجودكم
قال لوران ببرود
رأيت كل شيء. وكنت أتمنى ألا أرى.
تقدم نحوه وكل خطوة كانت كأنها مطرقة تهوي على الأرض.
ساد صمت مطبق.
كانت ميا واقفة ما زالت ترتجف لكنها لم تعد تبكي.
قال لوران
السيد غوزون اشرح لي لماذا أجبرت موظفة على الإهانة أمام الضيوف.
قال غوزون مدافعا
لقد أخطأت يا سيدي أسقطت الطعام
قاطعه لوران
لأنك تعمدت عرقلتها. لدينا كاميرات مراقبة في هذا المطعم. لا تحاول أن تجعلني أحمق.
كأن دلوا من الجليد سكب على غوزون.
وأضاف لوران
وليس هذا فقط. سمعت أيضا قولك لها كلي الطعام ووصفتها بالمتسولة.
ابتلع غوزون ريقه.
كان مزاحا يا سيدي
صفعة!
دوى صوت صفعة قوية.
لم يكن لوران من صفعه بل امرأة أنيقة كانت تجلس بجانبه.
إيزابيل دوفال.
الشريكة المالكة للمجموعة والمعروفة بصرامتها التي تفوق صرامة والدها.
قالت بصوت بارد
في شركتنا لا مكان لمن يتلاعب بكرامة الآخرين.
ثم التفتت إلى ميا.
ما اسمك
مميا أجابت.
اسمك الكامل.
ميا ألونسو.
توقفت إيزابيل لحظة كأن الاسم أيقظ ذكرى.
ألونسو قالت بابتسامة
اتسعت عينا ميا.
نعم.
تبادل الأب وابنته النظرات.
قال لوران
طبيب القلب الذي رفض رشاوى بملايين الدولارات لينقذ مرضاه
نعم أجابت بصوت خافت.
أومأ لوران.
لا عجب.
ثم واجه غوزون
من هذه اللحظة لم تعد مديرا في لو سييل.
سيدي! كاد غوزون يركع. أرجوكم فرصة أخرى
قالت إيزابيل بحدة
الأمن.
تقدم حارسان.
وأثناء سحبه خارجا صرخ غوزون نحو ميا
تظنين أنك انتصرت! أنت مجرد نادلة!
توقف لوران ثم قال
لا. إنها إنسانة.
واختفى غوزون خلف الباب.
سكون.
ثم انفجر التصفيق.
لم يكن بطيئا ولا مجاملا. وقف المطعم بأكمله.
شهقت ميا ولم تعرف أين تنظر.
اقتربت إيزابيل منها.
هل ما زلت ترغبين في أن تكوني نادلة
تفاجأت ميا.
ماذا
لدينا شاغر قالت إيزابيل. في برنامج التدريب الإداري. إن رغبت.
اتسعت عيون الموظفين.
لكن لم أمض سوى ثلاثة أيام
قال لوران
الكرامة لا تقاس بطول الخدمة.
جلست ميا على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها لكن هذه المرة ليس خوفا بل ثقل الفرصة.
في الخارج كان المطر يهطل.
أما في الداخل فقد وقفت
امرأة من جديدلا كنادلة بل كامرأة لن تركع مرة أخرى لأي شخص يحاول سحق إنسانيتها.
وكان ذلك مجرد بداية.
في صباح اليوم التالي استيقظت ميا وكأن كل ما حدث حلم.
غرفتها الصغيرة المستأجرة هادئة سرير مروحة قديمة وطاولة مغطاة بالكتبكتب استعارتها من المكتبة العامة عن الإدارة وعلم النفس والقيادة.
اهتز هاتفها.
رقم غير معروف.
صباح الخير يا ميا. إيزابيل دوفال هنا. السائق سيقلك في التاسعة صباحا. لا تتأخري.
جلست ميا فجأة. كان الأمر حقيقيا.
كان مقر مجموعة دوفال عالما آخر.
زجاج وفولاذ. هدوء منظم. لا صراخ. لا غضب. لكل شخص اتجاه.
وأثناء سيرها في الردهة شعرت بالعيون تلاحقها. همسات وتساؤلات.
إنها النادلة
التي صرخوا عليها في لو سييل
لماذا هي هنا
تنفست بعمق. ومضت مستقيمة.
في قاعة الاجتماعات كان لوران جالسا عند رأس الطاولة الزجاجية العريضة إلى جانبه إيزابيل وثلاثة من كبار التنفيذيين الذين اعتادوا اتخاذ قرارات تحرك أموالا وشركات لا مصائر أفراد.
كان المكان هادئا على نحو غير مريح لا أوراق تقلب لا أقلام تطرق على الطاولة فقط نظرات فاحصة تستقر على ميا التي وقفت لحظة عند الباب قبل أن تتقدم.
قال لوران بابتسامة خفيفة لا تخلو من الجدية
اجلسي.
جلست ميا ببطء ووضعت يديها على ركبتيها كما اعتادت دائما عندما تحاول السيطرة على ارتجافها.
قالت إيزابيل دون مقدمات وبنبرة مباشرة لا تعرف المجاملة
لم نأخذك بدافع الشفقة.
أومأت ميا برأسها ولم تحاول تبرير نفسها أو الدفاع عنها.
أفهم.
قال لوران وهو يشبك أصابعه
أخذناك لأننا رأينا شيئا لا تعلمه أي شهادة ماجستير ولا تمنحه أي جامعة مهما بلغ اسمها.
رفعت ميا نظرها قليلا وترددت قبل أن تسأل
وما هو
قالت
شجاعة منضبطة. واحترام للنفس حتى عندما يكون ثمنه مرتفعا.
ثم أضاف لوران وكأنه يريد كسر أي وهم