داخل قلبها حين اتخذت قرارها بمفردها. اكتشفت ليلي أن والدتها لم تكن فقط امرأة عادية تكافح من أجل حياتها بل كانت تحمل قوة غير معتادة قوة تجعلها تحمي ابنتها حتى بعد رحيلها قوة تجعلها تخفي الحقيقة عن ليلي حتى تصبح مستعدة لمواجهتها. دانيال كشف لها كيف التقى مارغريت لأول مرة في إحدى المكتبات القديمة بين رفوف الكتب المغبرة وكيف كانت عيونها تلمع بالفضول وكيف كانت تضحك بطريقة تجعلك تنسى العالم بأسره. حدثتهم صدفة ولم يكن يعرف حينها أن مصيره سيتغير بالكامل. لقد أحبها منذ تلك اللحظة وعندما علم أنها حامل كان قلبه يتمزق لأنه لم يكن قادرا على البقاء بجانبها. ومع ذلك احتفظ بصورة لها صورة كان يراها كل يوم ليشعر بالقرب منها ولو بشكل رمزي. مع مرور الأيام بدأت ليلي تشعر أن ما بينهما ليس صدفة. شعرت بأن والدتها أرادت لها أن تلتقي به يوما ما وكأن مارغريت كانت تعرف أن هناك أسرارا ستكشف في الوقت المناسب. بدأت ليلي تتساءل عن تفاصيل والدها الحقيقي عن السبب الذي جعل والدتها لا تذكره وعن حياتها السابقة التي لم تشاركها أبدا. دانيال كان صريحا معها مارغريت كانت تخاف أن يعيقك ماضينا. أرادتك أن تعيشي حياتك بحرية قبل أن
تعرفي الحقيقة. هذه الكلمات جعلت ليلي تشعر بمزيج من الغضب والحزن والامتنان في نفس الوقت. بعد أسبوعين قرر دانيال أن يأخذ ليلي إلى المكان الذي التقى فيه مع مارغريت أول مرة. كان مكتبة قديمة على شارع جانبي ضيق حيث الضوء يتسلل عبر النوافذ ويخلق ظلالا غريبة على الأرضية الخشبية. عند دخولها شعرت ليلي بأن المكان يحمل طاقة الماضي وكأن كل زاوية تحكي قصة حب لم تكتب بالكامل. هناك جلس دانيال إلى جانبها وأخرج دفترا صغيرا من محفظته دفتر كانت والدتها تكتب فيه يومياتها قبل رحيلها. فتح الدفتر على صفحة قديمة وقرأ لها بعض المقاطع بصوت منخفض أحبك ليلي وإذا كنت تقرئين هذه الكلمات يوما فاعلمي أن كل لحظة من حياتي كنت أتمنى أن تكوني سعيدة وأن تعرفي الحقيقة في الوقت المناسب. لا أخاف من الماضي لكنني أخاف على قلبك أن يتحطم قبل الأوان. بدأت ليلي تبكي بصمت كل دمعة تحمل مزيجا من الحنين الفقدان والفهم العميق للحب الذي لم تعرفه إلا الآن. ووجدت نفسها تقول أشعر وكأن والدتي كانت دائما هنا معي بطريقة لم أفهمها أبدا. ابتسم دانيال وقال كانت دائما موجودة بطريقة لا تراها العين لكنها تراها القلوب. مع مرور الأسابيع تطورت العلاقة بين
ليلي ودانيال ليس فقط كفتاة تبحث عن والدها المفقود بل كفتاة بدأت تفهم جذورها تاريخ عائلتها وسبب وجودها في هذا العالم. بدأت ليلي تشعر بأنها تحمل جزءا من الحب الذي لم تستطع والدتها التعبير عنه بالكامل وأنها مسؤولة عن الحفاظ على إرثها عن فهم الأسرار وعن الاستمرار في الحياة بحب وشجاعة. وفي أحد الأمسيات جلسا على شرفة المقهى بعد إغلاقه وأضاءت أضواء المدينة السماء من بعيد وقال دانيال ليلي أعلم أن هذا كله غريب لكن أريدك أن تعرفي شيئا واحدا كل ما حدث لم يكن مصادفة. كل خطوة كل صورة كل رسالة كانت جزءا من خطة أكبر. لم أرغب أبدا أن تفقدي شعورك بالأمان وها نحن هنا أخيرا نكمل ما بدأته والدتك. نظرت ليلي إلى دانيال شعور بالسلام والاكتمال يملأ قلبها شعور بأن حياتها بدأت تتشكل بطريقة لم تتخيلها أبدا. أدركت أن الحب لا يختفي أبدا وأن الأسرار يمكن أن تتحول إلى جسور تصل بين الأجيال وأن القوة الحقيقية تأتي من معرفة الحقيقة ومواجهة الماضي بشجاعة. ومن تلك اللحظة قررت ليلي أن تتبع خطى والدتها أن تخلق حياتها بنفسها أن تحب بحرية وأن تحمي قلبها كما فعلت مارغريت وأن لا تسمح لأي سر أو غياب أن يمنعها من بناء مستقبلها. أصبح
المقهى مكانا ليس فقط للعمل بل ليكون شاهدا على إعادة اكتشاف الذات على الحب المستمر وعلى الأسرار التي تتحول إلى نور يضيء الطريق لكل من يبحث عن الحقيقة لكل من يشعر بالفراغ ويريد أن يجد مكانه في هذا العالم وكل من يحتاج إلى أن يعرف أن الحب مهما تأخر أو ابتعد سيجد دائما طريقة ليكون حاضرا في حياتنا بطريقة أو بأخرى.
مرت الأيام وليلي تشعر بأنها بدأت تفهم حياتها بطريقة لم تكن تحلم بها أبدا. كانت كل زيارة إلى المقهى كل لحظة تتحدث فيها مع دانيال تكشف طبقة جديدة من الماضي من الحب من الأسرار التي حملتها مارغريت طوال حياتها. بدأ دانيال يروي لها تفاصيل حياته مع والدتها كيف كانا يلتقيان سرا في المقاهي القديمة يتبادلان الكتب والرسائل كيف كانت ضحكتها نظرتها طريقة لمسها للورق في مكتبة المدينة تجعل قلبه ينبض بقوة لم يعرفها من قبل. في إحدى الأمسيات الباردة أخذ دانيال ليلي إلى منزل قديم مهجور كان مارغريت تقضي فيه الصيف في شبابها. قال هنا بدأت حياتها تتشكل هنا كتبت الكثير من يومياتها هنا كانت تحلم بحياة لك لم تكن تعرف كيف تكون الحياة بعدي. دخلت ليلي الغرف المليئة بالغبار شعرت أن كل زاوية كل نافذة كل خشبة