حارسة الامن

لمحة نيوز

كانت الساعة السادسة صباحا في شارع أيالا بمدينة ماكاتي.
وكان برج الأفق الذهبي يلمع تحت ضوء الشمس شامخا كأحد أطول وأفخم المباني في الحي التجاري.
عند مدخل المبنى وقفت نناي ليتا.
كانت حارسة أمن في الثامنة والخمسين من عمرها ترتدي زيا مكويا بعناية وحذاء عسكريا مصقولا وجهاز اتصال مثبتا عند خصرها مستعدة لأداء واجبها. لكنها في ذلك الصباح لم تكن على طبيعتها. كانت قلقة لا تكف عن تعديل قبعتها.
سألتها زميلتها
هل أنت بخير يا نناي ليتا تبدين شاحبة. سيصل السيد ماركو قريبا الرئيس التنفيذي الجديد. علينا أن نكون في أقصى درجات الانتباه.
أومأت ليتا فقط وقالت بصوت متردد
نعم أنا بخير.
لكن الحقيقة أنها كانت متوترة بشدة.
فماركوالرئيس التنفيذي الذي سيزور المبنى اليوم لحضور اجتماع مهم لمجلس الإدارةكان ابنها.
لم يكن أحد في المبنى يعلم أنهما أم وابن.
في الماضي كانت ليتا عاملة نظافة في الشوارع ثم غسالة ملابس. ربت ماركو وحدها عملت ثلاث نوبات يوميا لتوفر له مصروف الجامعة. واليوم أصبح ابنها ناجحا وذا شأن. ولم تكن تريد لأي شيء أن يشوه صورته.
همست في سرها
سيكون الأمر محرجا إن علموا أن أم الرئيس التنفيذي مجرد حارسة بسيطة.
قد يسخرون منه وقد يظنون أنه جاء من خلفية متواضعة.
وبعد قليل وصل الموكب.
دوى صوت الأبواق.
ترجل الحرس الخاص وتوقفت سيارة فاخرة سوداء أمام الردهة. فتح الباب ونزل ماركو.
كان

لافتا ببدلته المفصلة بعناية يقف بثبات وهيبة. التف حوله المساعدون والتنفيذيون يحملون الملفات.
انتبه الجميع فورا.
صباح الخير سيدي!
قال موظفو الاستقبال والحرس مؤدين التحية بانضباط.
أما نناي ليتا فبدل أن تؤدي التحية بفخر أنزلت رأسها.
شدت قبعتها لتخفي وجهها وتراجعت خلف عمود كبير. أرادت أن تكون غير مرئية. لم تشأ أن تلتقي عيناها بعيني ابنها.
دخل ماركو الردهة مباشرة وكان صدى حذائه الفاخر يتردد على أرضية الرخام.
تاب تاب تاب
تنفست ليتا الصعداء.
الحمد لله لم يرني. سمعته محفوظ.
لكن فجأة توقفت الخطوات.
ساد الصمت في الردهة كلها.
استدار ماركو.
ورأى هيئة مألوفة تختبئ خلف عمود رأسها منخفض ووجهها نصف مخفي.
غير اتجاهه.
ترك التنفيذيين ينتظرون عند المصعد وسار عائدا نحو المدخل.
توقف أمام نناي ليتا.
وقال
أمي
تجمد الموظفون في أماكنهم.
أمي!
همسوا بدهشة. من ينادي السيد ماركو
رفعت ليتا وجهها ببطء ويداها ترتجفان.
س سيدي ماركو
قالت محاولة الحفاظ على رسميتها.
صباح الخير سيدي.
نزع ماركو نظارته الشمسية ببطء كأنه ينزع معها آخر حواجز المسافة بينه وبين ماضيه.
نظر إلى أمه طويلا.
إلى العرق المتجمع على جبينها من نوبة الفجر.
إلى التجاعيد الصغيرة حول عينيها تلك التي لم تصنعها السنون وحدها بل القلق والسهر والخوف والدعاء الصامت.
إلى الزي الذي ترتديه زي بسيط متواضع لا يحمل أي بريق لكنه كان بالنسبة
له أثقل من أي وسام.
وفي تلك اللحظة لم ير أمامه حارسة أمن.
رأى المرأة التي حملت همه وحدها.
التي خبأت جوعها كي يشبع.
والتي انحنت للحياة كي يبقى واقفا.
وبدل أن يبتعد
وبدل أن يتجاهل
وبدل أن يتصرف كما يتوقع الجميع من رجل في منصبه
احتضنها.
احتضانا قويا صادقا غير محسوب.
احتضان ابن عاد فجأة إلى نقطة البداية.
تجمد بهو المبنى.
توقف الزمن.
وساد صمت كثيف كأن الجميع أدرك في اللحظة نفسها أنهم يشهدون شيئا لا يتكرر.
احتضن الرئيس التنفيذي حارسة الأمن في وسط بهو المبنى.
لا خلف أبواب مغلقة.
ولا بعيدا عن العيون.
قال لها بصوت منخفض يحمل حنانا لم يسمعه أحد منذ سنوات
لماذا تختبئين يا أمي
ارتجف جسد نناي ليتا بين ذراعيه.
ولم تستطع أن تمنع دموعها.
همست بصوت مكسور
لم أرد أن أحرجك يا بني أنت رئيس تنفيذي الآن وأنا مجرد حارسة. قد ينظر موظفوك إليك باستخفاف. قد يظنون أنك خرجت من لا شيء.
شدها إليه مرة أخرى كأنه يحميها من أفكار لم يعد لها مكان.
ابتعد عنها قليلا وأمسك بيديها
يدين قاسيتين مشققتين حملتا الحياة كما هي بلا تجميل.
يدين لم تعرفا المكاتب المكيفة ولا الأقلام الذهبية لكنهما عرفتا التعب الحقيقي.
وقال بهدوء لا يقبل النقاش
تعالي معي.
نظرت إليه نناي ليتا بدهشة حقيقية لا تمثيل فيها
إلى أين لا أستطيع ترك موقعي. هذا واجبي. الناس قد يسيئون الفهم.
ابتسم لها ماركو ابتسامة صغيرة
تلك الابتسامة
القديمة.
ابتسامة الطفل الذي كان يعود من المدرسة بثياب مهترئة لكن بعينين مليئتين بالحلم.
قال
لا تقلقي. كل شيء على ما يرام. أنا أملك هذا المبنى لكن الأهم من ذلك كله أنك أمي.
في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لم يكن التعب هو ما أضعفها بل ثقل الاعتراف.
اعتراف انتظرته دون أن تطلبه.
وحلم لم تجرؤ يوما على تخيله.
سارا معا نحو المصعد.
انفتحت الأبواب ببطء وكأنها تفسح المجال لقصة كاملة كي تمر.
دخل ماركو أولا ثم أشار إليها.
ترددت لحظة.
ثم دخلت.
وقف الموظفون والحرس مشدوهين.
لم يعرفوا هل يشهدون قرارا إداريا مفاجئا أم لحظة إنسانية ستبقى عالقة في ذاكرتهم ما حيوا.
أغلقت الأبواب.
وصعد المصعد في صمت ثقيل.
كانت نناي ليتا تشد أطراف زيها بين أصابعها تنظر إلى الأرض.
لم تكن معتادة على هذا الارتفاع.
ولا على هذا الضوء.
ولا على هذا الاهتمام.
أما ماركو فكان يقف مستقيما.
كأن شيئا داخله عاد إلى مكانه أخيرا.
كأن منصبه لم يعد عبئا بل جسرا.
عندما وصلا إلى الطابق العلوي انفتحت الأبواب على ممر فسيح.
زجاج شفاف.
أرضية لامعة.
قاعة اجتماعات تشبه صالة قرارات مصيرية.
وحين دخلا
ساد الذهول.
توقفت الأحاديث.
تجمدت الأيدي فوق الملفات.
ارتفعت الرؤوس ببطء بعدم تصديق.
رأوا رئيس مجلس الإدارة يدخل بثبات
وبرفقته حارسة أمن.
تقدم ماركو بخطوات واثقة.
أما نناي ليتا فكانت تمشي خلفه نصف خطوة.
تحاول
أن تصغر.
أن تختفي.
كما فعلت طوال حياتها كي يلمع هو.
توقف عند صدر الطاولة.
وأدار جسده نحو الحاضرين.
قال بصوت
 

تم نسخ الرابط