كان سائق شاحنه

لمحة نيوز


مستشفى كبير لكنها الأقرب. حل الليل سريعا. أشعلت المصابيح الأمامية. وانفتح الإسفلت أمامي كشريط أسود لا نهاية له. أطلقت أنينا خافتا بالكاد يسمع فقبض ذلك على روحي كانت تعود كانت تستيقظ وأنا لا أعرف كيف أشرح شيئا من دون أن أفزعها.
حين رأيت الدم عند صدغها توقفت على جانب الطريق ونظفت الجرح ما استطعت بالماء وقماش قميصي ضاغطا برفق. تحدثت إليها من دون تفكير كأن صوتي قادر على حملها تماسكي لم يبق الكثير. لا أعلم إن كانت تسمعني لكنني كنت بحاجة إلى قولها.
وصلت إلى العيادة كمن يصل إلى ملجأ في قلب الصحراء. مبنى منخفض صليب مرسوم على الجدار وضوء مشتعل في الداخل. دخلت وأنا أحملها فأسرعت الممرضات نحوي بعيون متسعة. وضعنها على سرير فحصن ضغطها وتنفسها وضربة الرأس. قالت إحداهن امرأة أكبر سنا بصوت منخفض ما كنت أعرفه مسبقا هذا ليس سقوطا هذا عنف.
وصل الطبيب بعد قليل وما إن رأى آثار القيود على معصميها حتى اشتد وجهه. قال علينا إبلاغ الشرطة. وفجأة امتزج ارتياحي بشيء آخر الخوف. لأن الشرطة تعني الأسئلة والأسئلة تعني الشبهات. ورجل وحيد يصل بفتاة فاقدة الوعي من طريق مهجور الريبة شبه تلقائية.
وصل الضباط في الليلة نفسها. نظر إلي الرقيب رجل متعب ذو شارب رمادي

كما ينظر من رأى الكثير من الأكاذيب وقليلا من الحقائق. طلب مني أن أروي كل شيء منذ البداية أين توقفت كم نسرا رأيت هل لمستها كم مكثت هل رأيت سيارة هل أعرفها. شعرت بالغضب حين لامست أسئلته التلميح لكنني ابتلعت كبريائي. لم يكن وقت الشجار. كان وقت إنقاذها ومنع أولئك الوحوش من الهرب.
اقتادوني إلى المخفر للإدلاء بإفادتي. مبنى قديم تفوح منه رائحة الورق الرطب والقهوة المعاد تسخينها. أعادوا الأسئلة نفسها مرارا كأن تكرار القصة قد يكشف ثغرة. وحين سألني أحدهم عن حياتي انزلقت الحقيقة من فمي بلا قصد. أخبرتهم عن زوجتي وعن وحدتي وعن أن الطريق صار بيتي. ورأيت في عيني الرقيب ومضة فهم لم يكن الشك بدافع الشر بل خوفا من الخطأ.
نمت تلك الليلة نوما مضطربا في كابينة الشاحنة. خارجها كانت المدينة الصغيرة تتنفس بصمت. وداخلها لم أستطع أن أتوقف عن تخيل ما عاشته ولا ما قد يحدث إن علم من آذوها بأنها ما زالت حية.
في الصباح ذهبت إلى العيادة. أردت رؤيتها ولو من الباب. كانت أفضل قليلا لون في الخدين ووجه نظيف. ومع ذلك آثار الخنق في عنقها قلبت معدتي. قالت لي الممرضة جملة لن أنساها ستحتاج إلى قوة لما هو قادم. لم أفهمها حينها لكنني فهمتها لاحقا.
في تلك الليلة استيقظت.

كنت في الممر حين سمعت الأنين الأول ثم ارتجاف الجسد ثم الصرخة. صرخة رعب خالص. وحين رأتني انكمشت كأن وجهي هو وجه من آذاها. كانت تصرخ لا! اخرج! وتحاول الابتعاد. تراجعت خرجت من الغرفة وبقيت مسندا ظهري إلى الجدار أستمع إلى خوفها وهو يتحول إلى نحيب.
كان ذلك الألم مختلفا. لم يكن ذنبا قديما بل صدمة فهم بالنسبة لها كان أي رجل خطرا. لم يكن خوفها مني بل من العالم.
أخبرني الرقيب أن اسمها ليتيسيا عمرها تسعة عشر عاما ومن تيريزينا مدينتي. خرجت قصتها متقطعة بين الدموع والصمت. كانت قد استقلت حافلة تعطلت فقبلت توصيلة. رجلان. سيارة داكنة. وعود تحولت إلى فخ. لا حاجة للتفاصيل لفهم حجم الرعب. المهم أنها كانت حية. وأنه بات علينا حمايتها وملاحقة من فعلوا ذلك.
في اليوم التالي وصلت والدتها. امرأة بعينين منتفختين من البكاء ويدين ترتجفان بين الغضب والارتياح. توقعت شكا أو لوما. لكنها عانقتني كما لو كانت تعرفني منذ زمن كما لو كنت أرضا صلبة بعد غرق. كانت تردد شكرا مرارا كدعاء.
نظرت إلي ليتيسيا حينها بنظرة مختلفة. كان الخوف لا يزال فيها لكن كان هناك أيضا اعتراف مؤلم أحدهم توقف حين كان بإمكان الجميع أن يمروا.
قررت الشرطة نقلها إلى مدينة أكبر. وفي تلك الليلة
نفسها وأنا أحاول النوم رأيت سيارة متوقفة خلف شاحنتي مصابيحها مطفأة ومحركها يعمل. لم يكن وهما سينمائيا. كانت هناك فقط. خمس دقائق. ثم غادرت. اتصلت بالرقيب. كان صمته أسوأ من أي كلام. قال أخيرا قد يكون استطلاعا. إن عرفوا أنك تدخلت قد يحاولون إسكاتك.
رافقتني الشرطة خارج المدينة. قدت نحو فلوريانو وأنا أشعر أن كل ظل خطر. وعندما وصلت إلى مخفر أكبر واستقبلني ضابط بحزم شعرت لأول مرة منذ أيام بشيء من الأمان.
هناك فهمت أن قضية ليتيسيا ليست حالة معزولة. كانت هناك تحقيقات أوسع فتيات مفقودات أنماط متكررة طرق سيارات وجوه تعود ككابوس. كلمة شبكة جمدت دمي. وفي ذلك الجمود ظهر أمل إن كانت شبكة فهي قابلة للسقوط.
بعد أيام أظهرت كاميرا محطة وقود ما كانوا يحتاجونه سيارة سيدان داكنة رجلان ندبة في العنق وشم كبير على الذراع ولوحة سيارة واضحة. اسم. للمرة الأولى ترك الوحش أثرا.
تأخر أمر التفتيش أكثر مما أردنا. كانت البيروقراطية بطيئة والقلق يلتهمنا. كنت أزور ليتيسيا ووالدتها يوميا في دار دعم. كانت ليتيسيا تكتب في دفتر لتخرج الخوف من رأسها. أحيانا تبتسم بخجل وأحيانا ترتجف من الكوابيس. لكنها في كل زيارة حتى في هشاشتها كانت أكثر تصميما أريدهم أن يقبض عليهم.

 

تم نسخ الرابط