اصبحت سجينات حوامل

لمحة نيوز

المتأخرة بينما كان يعمل قرب فتحة التهوية في الممر التقني سمع سعالا مكتوما متقطعا يشبه استغاثة لا تريد أن تسمع. لم يكن سعال مرض فقط بل كان صوت إنسان يختنق في وحدة طويلة.
ثم بعد دقائق تدحرجت نحوه ورقة صغيرة ملفوفة بعناية حول غلاف علبة سجائر
مهترئة. فتحها بيدين مرتجفتين وقرأ كلمات قصيرة لكنها كانت أثقل من الجدران التي تفصل بين الزنازين 
لا أريد أن أعيش
أريد فقط أن يراني أحد.
قال جيمس إن تلك الجملة لم تغادره. لم تكن طلبا مباشرا ولا توسلا فجا بل كانت اعترافا عاريا من إنسانة وصلت إلى آخر ما يمكن للروح أن تتحمله. لم يكن يعرف من كتبتها ولا شكلها ولا قصتها لكنه شعر للمرة الأولى منذ سنوات أن إنسانا ما يتحدث إليه من خلف الخرسانة لا بصفته سجينا أو حارسا أو عامل صيانة بل بصفته شاهدا على الوجود.
لم تمر أيام حتى جاءت ورقة ثانية ثم ثالثة. كلمات قليلة خط مهتز لكن المعنى كان يتضح أكثر فأكثر. كانت الرسائل تتحول من ألم صامت إلى رغبة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة حتى جاءت العبارة التي غيرت كل شيء 
أتمنى أن أصبح أما قبل أن أموت.
قال جيمس إنه حين قرأها لم يفكر في القوانين ولا
في العواقب ولا حتى في نفسه. فكر فقط في أن هناك إنسانة في هذا المكان في هذا الفراغ لم تطلب الحرية ولم تطلب العفو ولم تطلب النجاة لنفسها بل طلبت معنى أخيرا يجعل المۏت أقل قسۏة.
بعد أيام من الصراع الداخلي اتخذ قراره. لم يكن قرارا بطوليا في نظره ولم يكن محاولة للتمرد على النظام. كان كما قال لاحقا محاولة صغيرة لإنقاذ شيء هش جدا اسمه الأمل.
أرسل عينة من سائله المنوي عبر فتحة التهوية باستخدام حقنة طبية دون علم أحد ودون مساعدة من أي فرد في الطاقم. لم يكن هناك تواطؤ ولا ترتيب ولا شبكة خفية. كان فعلا فرديا صامتا محفوفا بالخطړ لكنه ولد من إحساس عميق بأن الحياة أحيانا تحتاج إلى خرق صغير كي تستمر.
عندما كشفت الحقيقة لاحقا لم يعل صړاخ ولم تسمع احتجاجات. ساد صمت ثقيل صمت يشبه الوقوف أمام مرآة تظهر ما لا يريد أحد الاعتراف به. قال جيمس حين سئل عن دوافعه 
هذا الطفل أراد أن يولد.
لم أنقذ أحدا في حياتي من قبل
لكن هذا الفعل مهما كان صغيرا أو غريبا أعطى لحياتنا معنى.
أما إيميلي فلم تستخدم حملها ورقة ضغط ولم تحاول استدرار الشفقة. لم تطلب تخفيف الحكم ولم تستأنف القضية ولم تلق
خطبا عن الظلم. قالت بهدوء وكأنها تتحدث عن أمر بديهي 
أريد أن أنجب طفلي.
لا أطلب الهروب من العقاپ.
أريد شيئا واحدا فقط قبل أن أموت.
في الثالث من مايو عام 2023 وبينما كانت عاصفة عڼيفة ټضرب المنطقة دخلت إيميلي في المخاض داخل الوحدة الطبية للسجن. كانت الطرق الخارجية مغمورة بالمياه والسماء تضج بالرعد وكأن الطبيعة نفسها تشهد لحظة لا تشبه غيرها.
وضعت طفلتها هناك في مكان اعتاد الصمت والانكسار. ولدت الطفلة سليمة هادئة بوزن ألفين وسبعمئة غرام. لم
تصرخ كثيرا. فقط فتحت عينيها كأنها تتفحص العالم بحذر. سمتها إيميلي ستيلا هوب نجمة الأمل.
قال الأطباء إن ولادتها كانت مستقرة بشكل مدهش. وقالت إحدى الممرضات لاحقا إن صوت بكاء ستيلا كان مختلفا كأنه لا يشبه بكاء الأطفال في المستشفيات بل يشبه إعلانا خاڤتا بأن الحياة يمكن أن تنبت حتى في أكثر الأماكن قسۏة.
بعد مراجعة طبية وقانونية مطولة وبالنظر إلى ظروف القضية وتعقيداتها تقرر تخفيف حكم إيميلي إلى الإفراج المشروط. لم يكن القرار سهلا ولم يكن إجماعا لكنه كان اعترافا نادرا بأن العدالة أحيانا تحتاج إلى أن ترى الإنسان لا الملف.
كبرت
ستيلا داخل الجدران وكان صوتها يملأ المكان الذي لم يكن يعرف إلا وقع الأقدام والأقفال. كانت تضحك وتبكي وتتعثر بخطواتها الأولى وكأنها تذكر الجميع بأن الزمن لا يتوقف حتى في السجون.
وعندما بلغت الثالثة من عمرها أدركت إيميلي الحقيقة التي كانت تؤجلها خوفا ابنتها لا تنتمي إلى هذا المكان. لا يجب أن تكبر وهي تعرف الأسوار أكثر من الأشجار ولا أن تحفظ أصوات الأبواب الحديدية قبل أن تسمع زقزقة العصافير.
سلمتها إلى عمة تدعى ماري امرأة طيبة تعيش في منزل صغير تحيط به أشجار التفاح وتعرف كيف تمنح الأطفال الأمان دون شروط. في ذلك اليوم احتضنت إيميلي ابنتها طويلا وكأنها تحاول أن تختزن عمرا كاملا في لحظة واحدة.
أعطتها صورة قديمة ودفترا صغيرا. وفي الصفحة الأولى كتبت بخط ثابت 
أنت أجمل ما صنعته.
عشت من أجلك.
ثم أغلقت الدفتر وابتعدت خطوة خطوة دون أن تلتفت لأن الالتفات كان سيكسرها.
عادت إيميلي إلى زنزانتها لكنها لم تعد المرأة نفسها. كانت تكتب كل يوم. تكتب عن ستيلا عن ضحكتها عن خۏفها الأول عن الأمل الذي لا يزال حيا. كانت تكتب لأنها تعلم أن الكلمات أحيانا هي الطريقة الوحيدة للبقاء.

ولا تزال إيميلي تكتب
حتى اليوم.

تم نسخ الرابط